«ابني ليس إرهابياً» صرخت أم إيهاب فيما حبست القاعة المكتظة أنفاسها وأصغت إليها «أنا أم إيهاب المحاميد». وأضافت: « قتلتموه في رمضان، في 15 آب/أغسطس 2012، لأنه كان يوزّع الخبز. ثم قالت وسائل الإعلام السورية إن الإرهابي إيهاب عوادالمحاميد قد تمت تصفيته سأقاضيكم وسأقاضي الإذاعة السورية، والطيار الذي قصف منزلنا، والضابط الذي أصدر الأمر، وبشار الأسد.»
وجّهت أم إيهاب كلماتها إلى السجين الوحيد الجالس داخل قفص الاتهام، مرتدياً زياً مخططاً. وما إن أنهت حديثها حتى ارتفعت أصوات أكثر من عشرة رجال مرددين: « الله أكبر! الله أكبر! »، واختلطت هتافاتهم بأصوات كاميرات التصوير وزغاريد النساء.
هؤلاء الرجال والنساء هم من ذوي ضحايا نظام الأسد، ومعتقلون سابقون، وجيران وأقارب الأطفال الذين اعتُقلوا وتعرضوا للتعذيب في بدايات الثورة السورية عام 2011. وفي 26 نيسان/أبريل 2026، تجمعوا أمام مبنى المحكمة القديم والمتهالك في دمشق، المعروف لدى السوريين باسم «قصر العدل.»
وكانت قوات الأمن، بزيّها الأسود ودروعها البلاستيكية، قد انتشرت خارج المبنى المؤلف من أربعة طوابق، والواقع بالقرب من قلعة دمشق وسوق الحميدية التاريخي. وتزاحم عشرات الأشخاص عند المدخل، فيما علت أصواتهم الغاضبة، بينما كانت القوى الأمنية تسعى جاهدة لإبقائهم خلف الحواجزفي الداخل، لا يبدو المبنى بالفخامة التي قد يوحي بها اسمه. فالقاعات رمادية ومغطاة بالغبار، والطلاء يتساقط عن الجدران، فيما تنتشر في أرجائه بقايا أعمال بناء لم تُستكمل، في تناقض واضح مع واجهته المهيبة. غير أن إحدى القاعات في الطابق الثالث بدت مختلفة؛ إذ طُليت حديثاً وزُيّنت بألوان الأخضر والأبيض والذهبي.
كانت قاعة المحكمة مكتظة إلى أبعد حد. امتلأت جميع المقاعد، وحتى الممرات شغلها أفراد عائلات الضحايا والصحفيون وفرق البث المباشر، بحيث لم يعد هناك متسع للحركة. وعلى الجانب الأيمن انتصب قفص اتهام معدني كبير، تحيط به عناصر الأمنداخل القفص جلس متهم في عقده السادس، بدا هادئ الهيئة، وجامد الملامح. لم يُبدِ أي رد فعل تجاه الشتائم أو الاتهامات أو الصيحات أو الدموع التي وُجّهت إليه. بدا منفصلاً عن كل ما يدور حوله، وكأنه خارج القاعة تماماً. ولم ينهض إلا عندما طلب الحارس من الحضور التزام النظام، فوقف للحظات احتراماً للمحكمة عند دخول القاضي.
إنه العميد عاطف نجيب، ابن خال الدكتاتور السابق بشار الأسد، والرئيس السابق لفرع الأمن السياسي في درعا، المدينة الواقعة في جنوب سوريا قرب الحدود الأردنية، والتي تُعد مهد الثورة السورية عام2011.

الغائبون
افتتح القاضي فخر الدين العريان الجلسة قائلاً: «نبدأ اليوم أولى محاكمات العدالة الانتقالية في سوريا، لمتهم حاضر داخل قفص الاتهام، إلى جانب متهمين آخرين ما زالوا فارّين من وجه العدالة» ثم تلا أسماء المتهمين الآخرين الغائبين جميعاً: بشار حافظ الأسد؛ وشقيقه اللواء ماهر حافظ الأسد، القائد السابق للفرقة الرابعة؛ والفريق فهد جاسم الفريج، وزير الدفاع السابق؛ والعميد محمد أيمن عيوش؛ والعميد لؤي علي العلي، الرئيس السابق لفرع الأمن العسكري في درعا؛ والعميد قصي إبراهيم محيوب، من إدارة المخابرات الجوية السابقة؛ واللواء وفيق صالح ناصر، الرئيس السابق لفرع الأمن العسكري في درعا؛ والعميد طلال فارس العاصمي.
وبعد أن كان القاضي يعلن اسم كل متهم، كان كاتب المحكمة يردده، فيما كان الحاضرون في القاعة يتمتمون بالشتائم. ثم انتقل القاضي إلى تلاوة أسماء المدّعينوينحدر معظمهم من محافظة درعا، وتحديداً من منطقة درعا البلد، حيث عانى السكان من قمع الأجهزة الأمنية التابعة للنظام السابق، ولا سيما فرع الأمن السياسي الذي كان يرأسه عاطف نجيب. وقد رَفعو دعوى ضد المتهمين، محمّلين إياهم مسؤولية ما تعرضوا له من معاناة، وفقدان أفراد من عائلاتهم، وتهجيرهم.ومن بينهم أم إيهاب، التي كانت تحبس دموعها الغاضبة بعد أن استذكرت مقتل ابنها. وقالت: «رحل ابني البكر أولاً؛ قتلوه في رمضان بينما كان يوزع الخبز. ثم رحلت ابنتي، إذ أصاب صاروخ منزلها، وتركت خلفها طفلَيها. دُمّر منزلنا، وهُجّرنا، ولم يبقَ لدينا شيء.»وأضافت: «ابني لم يكن إرهابياً، وسأحاسب كل من وصفه بذلك.»
وانهمرت القصص المأساوية من مختلف أرجاء القاعة. كما تحدث المدّعون إلى وسائل الإعلام عن قصص التهجير والاعتقال التعسفي وتعذيب الأطفال وانتهاك الحريات والحرمات.
وأوضح القاضي أن هؤلاء المدّعين هم الوحيدون الذين تمكنت المحكمة من الوصول إليهم، وأن لكل صاحب مصلحة في هذه القضيةالحق في المثول أمام المحكمة في الجلسات المقبلة ثم نادى للمرة الأخيرة على المتهمين الغائبين للمثول أمام المحكمة، ويبدو أنه عنى انه في حال تخلفهم عن الحضور بعد تبليغهم أصولاً، فإن هيئة العدالة الانتقالية ستصدر القرارات المتعلقة بقضاياهم وتشرف على تنفيذها وفقاً للقانون السوري.
ورُفعت الجلسة المقتضبة إلى العاشر من أيار/مايو. وتعالت في القاعة التكبيرات «الله أكبر»
مثول أولي أمام محكمة جديدة
بعد أن ملأت قاعة المحكمة هتافات الاحتفال وأغاني النصر، اقتادت عناصر الأمن المتهم إلى خارج مبنى المحكمة. وكان المتهم، الذي مثّله محامٍ، منقاداً بالكامل وصامتاً، وكأنه في حالة من الاستسلام بدت أقرب إلى الذهول. ثم بدأ الارتباك وعدم اليقين ينتشران بين الحاضرين: ماذا سيحدث بعد ذلك؟
وأوضح المحامي أنس سكاف، وهو معتقل سابق ومحامٍ جنائي يتمتع بخبرة تمتد لـ27 عاماً، قائلاً: «اختلط الامر على الناس حيث انهم كانوا يتوقعون ان تتم ادانته اليوم .، لكن المسار القانوني لا يزال طويلاً قبل الوصول إلى أي حكم» وأضاف ان هذه الجلسة كانت جلسة تحضيرية حيث بقدم الادعاء و الدفاع أنفسهم و تمثيلهم القانوني للتحضير للمرحلة التالية حيث تستمع المحكمة لادعائات الادعاء و افادات الشهود و مساءلة الدفاع وباختصار، كانت هذه إجراءات شكلية تمهيداً للمرحلة التالية المعروفة بالمرحلة التمهيدية وفي هذه المرحلة، ستبدأ المحكمة بالاستماع إلى الشهود وأطراف الدعوى، واستجواب المتهمين.
في غضون ذلك، صرّح المُحامي العام في دمشق، حسام خطاب، بأن التهم الموجّهة إلى عاطف نجيب تشمل القتل وإصدار الأوامر بإطلاق النار على المتظاهرين، وهي تهم قد تصل عقوبتها إلى الإعدام بموجب القانون السوري. وأكد أن المحاكمة تُجرى حالياً وفق القوانين النافذة، مع إمكانية إدراجها لاحقاً ضمن قانون للعدالة الانتقالية اللذي لم يتم إقراره بَعد.
وتُعقد هذه المحاكمة أمام غُرفة قضائية أُنشئت حديثاً، هي المحكمة الجنائية الرابعة، في العاصمة السورية دمشق. ووفقاً لأحد المحامين، فإن «أعضاء هيئتها القضائية وقضاتها لم يكونوا موجودين سابقاً في دمشق.» كما أفاد عاملون قانونيون في قصر العدل بأنهم لم يكونوا على معرفة باسم القاضي الذي يترأس الجلسة.
من رئيس جهاز استخبارات إلى متهم، ومن المحكوم بالإعدام إلى منصة القضاء
أعطى هدوء عاطف نجيب داخل قاعة المحكمة، وحالة الامتثال التي بدا عليها، وحركاته المتزنة، انطباعاً بأنه رجل مهذب ومتحفظ. إلا أنه سبق أن ترأس فروعاً استخباراتية رئيسية في النظام السابق كانت تستهدف المعارضين السياسيين. ويُتهم بالإشراف على اختفاء واعتقال وقمع مئات، إن لم يكن آلاف، الناشطين السياسيين والحقوقيين خلال عهد الأسد. كما أُدرج اسمه على قوائم العقوبات الأمريكية والأوروبية منذ أواخر عام 2011. وبحسب ما يُنسب إليه، أمر نجيب بإطلاق أولى الرصاصات على المتظاهرين في درعا، وهي اللحظة التي يُنظر إليها اليوم باعتبارها الشرارة الأولى للثورة التي تحدّت في نهاية المطاف النظام الذي خدمه. كما أدى تعذيب الأطفال الذين اعتُقلوا آنذاك إلى مَقتل حمزة الخطيب، البالغ من العمر 13 عاماً، في أيار/مايو 2011، ليصبح نجيب رمزاً للقمع ونقطة تحول في الانتفاضة السورية.
أُلقي القبض على نجيب في كانون الثاني/يناير 2025 في اللاذقية، على الساحل السوري المطل على البحر المتوسط. وقد جعل ماضيه البارز واعتقاله اسمه معروفاً على نطاق واسع في سوريا، على النقيض تماماً من القاضي فخر الدين العريان.
أما القاضي الذي يترأس محاكمة نجيب فهو معارض سابق حكم عليه نظام الأسد بالإعدام. ففي 13 آذار/مارس 2013، ظهر في تسجيل مصور أعلن فيه انشقاقه عن مؤسسات حكومة الأسد، حيث كان يشغل منصب مستشار لدى محكمة الاستئناف المدنية في إدلب. وردّ النظام بإصدار أحكام غيابية بحقه، شملت حكماً بالإعدام، ومصادرة ممتلكاته، وبيع أجزاء منها في المزاد العلني وعقب سقوط النظام في كانون الأول/ديسمبر 2024، أُسقطت التهم الموجهة إلى القضاة المنشقين، وعمل العريان ضمن وزارة العدل التابعة للحكومة السورية الانتقالية، قبل أن يُعيَّن رئيساً للمحكمة الجنائية الرابعة في دمشق في كانون الثاني/يناير الماضي.
وفي منشور على فيسبوك قبيل بدء المحاكمة، خاطب القاضي السوريين بشأن ما وصفه بأنه «مرحلة جديدة من العدالة.»

مشنقة أمام قصر العدل
بعد انتهاء الجلسة، تدفق الحشد خارج قصر العدل دفعة واحدة، مكتسحاً الشوارع ومزاحماً الصحفيين. وبدا أن الجلسة المقتضبة لم تفعل الكثير لتخفيف سنوات من الغضب والفقدان والحزن المتراكم. وخارج المبنى، تجمع الحاضرون تدريجياً في كتلة واحدة، مشكلين تظاهرة أمام قصر العدل. ورفع المتظاهرون لافتات تدعو إلى إعدام نجيب وتطالب بعدم إبداء أي تساهل معه أو مع غيره من رموز النظام السابق.
ووصلت مجموعة من الشبان يحملون أعمدة خشبية وحبلاً، وشرعوا في نصب مشنقة بدائية، قُدمت بوصفها رمزاً للعقوبة التي يرون أن رموز النظام السابق يجب أن يواجهوها. قال احد شبان درعا «نحن لن نقبل الا بالاعدام لن نسامح و لن نغفر» بينما حمل الاخر لافتة كتب عليها: «اذا لم تعدموه اجعلوه يتمنى الاعدام.»
كما حمل أحد المتظاهرين لافتة أُخرى جاء فيها: «مراعاة حقوق الانسان في محاكمة الوحوش البشرية هو اهانة لحقوق الانسان» وأضاف نحن لسنا عاجزين عن تحقيق العدالة بأيدينا و لكنا نثق بدولتنا لتاخذ حقنا ، ولن نقبل باقل من الاعدام لعاطف نجيب.”
وبدت هذه المواقف معبرة عن حجم المشاعر المحيطة بالقضية، وعن التوترات الأوسع المرتبطة بالمساءلة والعدالة الانتقالية في سوريا. وبينما يبدو ان المسار لايزال طويلاً وغير مؤكد، فقد أظهرت هذه اللحظة مدى هشاشة المراحل الأولى للعدالة الانتقالية وحساسيتها.
تم تمويل هذا المنشور من قبل الاتحاد الأوروبي ضمن مشروع «عدالة شاملة في سوريا: بناء القدرات وإيلاء الضحايا الأولوية ». وتُعدّ محتوياته من المسؤولية الحصرية لموقع جستس انفو (Justice Info) ولا تعكس بالضرورة آراء الاتحاد الأوروبي كما يحتفظ صحفيو جستس انفو باستقلالية تحريرية كاملة على كافة المحتوى.




