سوريا: الاستفادة من تجربة العراق في جبر الضر

​​بعد أكثر من عام على سقوط بشار الأسد، لا يزال سؤال محوري يطرح نفسه: ما الذي سيقنع السوريين بأن الدولة الجديدة ليست مجرد إعادة إنتاج للمنظومة القديمة بصيغة مختلفة؟ ففي سياقات ما بعد النزاعات، تُبنى الشرعية عندما يتمكن الناجون من اللجوء إلى المؤسسات العامة ويُعاملون فيها بكرامة. ويشكّل جبر الضرر جوهر هذا الاختبار.

Reparations in Syria: following Bashar al-Assad’s departure, victims of the regime are returning home and, faced with its crimes, are considering seeking reparations. Photo: a woman stands on the balcony of her destroyed flat.
Umm Hamza Rifai, a displaced Syrian woman, returns to her devastated flat in the Khaldiyeh district of Homs on 10 February 2025, following her return to her home town in central Syria two months after the fall of the al-Assad regime. Photo: © Louai Beshara / AFP

بدأت سوريا في وضع إطارخاص  بالعدالة الانتقالية، من خلال إنشاء الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية والهيئة الوطنية السورية للمفقودين قسراً بموجب مرسوم. وتمثل هذه الخطوات نقطة انطلاق مهمة، وسيؤدي جبر الضرر دوراً محورياً، سواء في معالجة الأضرار التي لحقت بالضحايا أو في إظهار الكيفية التي تعتزم بها الدولة الاستجابة لحقوقهم وحقوق أسرهم. غير أنه، لكي يسهم هذا المسار في استعادة الثقة، ينبغي على الدولة الجديدة أن تصمم برنامج جبر الضرر بعناية، ووفق إجراءات واضحة، و يسهل الوصول إليها، وتتسم بالإنصاف، بالاضافة الى إعطاء الأولوية لاحتياجات الناجين.

عدة مسائل عملية ستتطلب اهتماماً خاصاً، من بينها ضمان الشفافية في عملية اتخاذ القرار، ووضع معايير أهلية واضحة وشاملة، وتوفير قدرات إدارية وتقنية كافية لدعم الأشخاص الذين مروا بتجارب صادمة، إلى جانب ضمان وصول فعلي للسوريين المقيمين في المناطق النائية أو في الخارج. كما سيكون من الضروري التشاور مع المجتمعات المتضررة، بما في ذلك الناجون من الانتهاكات الجسيمة، ومنظمات المجتمع المدني التي تقدم لهم الدعم.

وفي هذا السياق، يمكن لسوريا أن تستفيد من تجربة العراق المجاور. فما تزال العدالة الانتقالية في سوريا في مرحلة مبكرة، في ظل محدودية الشفافية وضعف التشاور مع الناجين. وقد عانى العراقيون لعقود من الفظائع التي ارتكبتها الدولة والجماعات المسلحة. وعلى خلاف سوريا، سبق للعراق أن نفذ عدة برامج لجبر الضرر، استهدفت الناجين من الجرائم المرتبطة بالإرهاب، والانتهاكات التي ارتكبتها القوات العسكرية، وعمليات الأسرالتي نفذها تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، والجرائم التي ارتكبها نظام صدام حسين السابق.

وكما أظهرت التجربة العراقية، فإن نجاح برامج جبر الضرر لا يُقاس بنتائجها وأعداد المستفيدين منها فحسب، بل أيضاً بتجربة الناجين أنفسهم خلال مرحلتي تقديم الطلبات وتنفيذ البرنامج. ومن خلال التركيز على صياغة قانون الناجيات الإيزيديات وآلية تطبيقه، وهو برنامج لجبر الضرر اعتمده العراق عقب الإبادة الجماعية التي ارتكبها تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) بحق المجتمع الإيزيدي، يمكن من خلال هذه التجربة استخلاص دروس مفيدة للعملية الانتقالية في سوريا.

قانون يولي الناجين الاولوية 

شكّل إقرار قانون الناجيات الإيزيديات إنجازاً بارزاً، إذ يُعد أول قانون لجبر الضرر يستجيب للعنف القائم على النوع الاجتماعي في العراق ومنطقة الشرق الأوسط. ويركز القانون على الناجين من الاختطاف، والعنف الجسدي، والنفسي، والجنسي، والعنف القائم على النوع الاجتماعي، وجرائم القتل الجماعي. ولا يقتصر نطاقه على النساء والفتيات الإيزيديات، بل يشمل أيضاً الفتيان الإيزيديين الذين اختُطفوا وهم قاصرون، إلى جانب النساء والفتيات من المكونات الشبكية والتركمانية والمسيحية اللواتي تعرضن للاختطاف. كما ينطبق القانون على الضحايا من الرجال والنساء من هذه المكونات الأربع الذين نجوا من عمليات الإعدام الجماعي.

وتشمل تدابير جبر الضرر الفردية المنصوص عليها في القانون تعويضاً مالياً شهرياً، وقطعة أرض، وإتاحة خدمات الصحة النفسية، وفرصاً تعليمية. كما يعترف القانون بالجرائم التي ارتُكبت بحق هذه المكونات، بما في ذلك جريمة الإبادة الجماعية، ويُلزم الدولة العراقية بالبحث عن المفقودين وانتشال جميع المقابر الجماعية المتبقية.

وأنشأ القانون برنامجاً إدارياً لجبر الضرر، تتولى تنفيذه المديرية العامة لشؤون الناجيات التابعة لوزارة العمل والشؤون الاجتماعية العراقية. كما نص على تشكيل لجنة من ثمانية أعضاء تتولى البت في طلبات التعويض والنظر في الطعون المقدمة في الدرجة الأولى، مع صلاحية إجراء مقابلات مع الناجين متى رأت ذلك مناسباً.

وفي بداياته، اتسمت إجراءات البرنامج بالبساطة، واعتمد معياراً مرناً للإثبات، بما يتيح للناجين الحصول على جبر الضرر خارج إطار الإجراءات القضائية. واستناداً إلى الطبيعة الإدارية للبرنامج، كان بإمكان الناجين تقديم أي أدلة متاحة لديهم، ولم يكن يُشترط عليهم تقديم شكوى جنائية للاستفادة من التعويضات. كما تضمن القانون أحكاماً تكفل السرية، وتحظر على المديرية العامة لشؤون الناجيات وغيرها من الجهات الحكومية مشاركة معلومات الناجين من دون تصريح.

ونظراً إلى أن العديد من الناجيات الإيزيديات كنّ قد أدلين بشهاداتهن مراراً للصحفيين، والمنظمات غير الحكومية، وجهات التحقيق، فقد اعتُبرت الإفادات الموثقة لدى هذه الجهات المعروفة أدلة قوية تتيح لهن الوصول إلى جبر الضرر من دون الحاجة إلى الخضوع لمقابلة إضافية. وفي الوقت الذي ظل فيه معظم الناجين نازحين في إقليم كردستان العراق، كانت إجراءات تقديم الطلبات تتطلب السفر إلى مكاتب المديرية العامة لشؤون الناجيات في الموصل، أو إلى المكتب الفرعي الذي أُنشئ لاحقاً في سنجار. كما أُطلقت بوابة إلكترونية أتاحت للناجين تقديم طلباتهم من داخل العراق ومن خارجه.

إنجازات برنامج قانون الناجيات الإيزيديات

لا تنشر المديرية العامة لشؤون الناجيات بيانات عن عدد مقدمي الطلبات، أو الطعون، أو الطلبات المرفوضة. لكنها أفادت، حتى الآن، بأن اللجنة وافقت على اعتبار 2,216 شخصاً ناجين مستحقين للحصول على تعويض مالي شهري. وإلى جانب ذلك، عملت المديرية مع منظمات غير حكومية لتوفير خدمات الصحة النفسية، بالتزامن مع إنشاء الحكومة مركزاً متخصصاً في سنجار. كما تعمل على ضمان حصول الناجين الذين انقطع تعليمهم على فرص تعليمية، ومنحهم أولوية في التوظيف في القطاع العام. وفي إطار المرحلة الأولى من توزيع الأراضي، مُنحت 262 سند ملكية لقطع أراضٍ سكنية للناجين. كذلك، يُلزم القانون باتخاذ تدابير لإحياء الذكرى، والبحث عن المفقودين، وفتح المقابر الجماعية، ودعم جهود جمع الأدلة وتحقيق العدالة.

وتُعد هذه الإنجازات مهمة، لكنها تتطلب تنسيقاً مع عدد من المؤسسات الحكومية على المستويين الاتحادي والمحلي. وقد شكّلت التعويضات المالية تحولاً حقيقياً في حياة كثير من الناجين، إذ مكّنتهم من إعادة بناء حياتهم، وفي بعض الحالات من مغادرة مخيمات النزوح، بعد عقد من العيش في ظروف قاسية. وبالنسبة إلى كثيرين، كانت تلك المرة الأولى التي تعترف فيها الدولة العراقية بما تعرضوا له من أذى، على المستويين الفردي والجماعي.

وفي المقابل، كثيراً ما كانت إجراءات الحصول على جبر الضرر شاقة بالنسبة إلى الناجين الذين سبق أن عانوا صدمات نفسية قاسية، وكانوا يواجهون في كثير من الأحيان خطر الوصم الاجتماعي أو انكشاف هوياتهم داخل مجتمعاتهم. وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة لأن الهدف من جبر الضرر لا يقتصر على تعويض ضحايا الفظائع، بل يشمل أيضاً إصلاح العلاقة بين الدولة ومواطنيها، وترسيخ شعور الناجين بأن ما تعرضوا له من أذى قد حظي بالاعتراف، وأنه لن يتكرر. ورغم أن قانون الناجيات الإيزيديات أرسى إطاراً جديداً لجبر الضرر، فإن أوجه القصور في صياغته وفي طريقة تنفيذه حدّت من إمكانية الوصول إليه، وأضعفت النهج الذي يولي الناجين الاولوية.

غموض في صياغة القانون

أدت صياغة قانون الناجيات الإيزيديات إلى ثلاث إشكاليات رئيسية تسببت في صعوبات كبيرة لبعض الناجين.

أولاً، صيغ القانون أساساً للاستجابة للجرائم المرتكبة بحق النساء والفتيات الإيزيديات، وهو أمر مفهوم بالنظر إلى عدد الضحايا، وجسامة الانتهاكات، وحملة الإبادة الجماعية التي شنها تنظيم الدولة الإسلامية ضد المجتمع الإيزيدي. ومع ذلك، شمل القانون أيضاً النساء والفتيات من المكونات الشبكية والتركمانية والمسيحية. وللاستفادة من جبر الضرر بموجب القانون، كان يتعين على المتقدمين إثبات أن تنظيم الدولة الإسلامية اختطفهم في 3 أغسطس/آب 2014 أو بعده، وهو التاريخ الذي شن فيه التنظيم هجومه على بلدات وقرى سنجار في سهل نينوى، معقل الإيزيديين.

لكن تنظيم الدولة الإسلامية كان قد هاجم هذه المكونات الأخرى قبل ذلك التاريخ. ونتيجة لذلك، كان يتعين على الناجين منها إثبات أنهم ظلوا محتجزين حتى 3 أغسطس/آب ليكونوا مؤهلين للاستفادة من البرنامج. وبذلك، فإن امرأة تركمانية أو شبكية أو مسيحية اختُطفت ثم أُطلق سراحها قبل هذا التاريخ لم تكن مؤهلة للحصول على جبر الضرر، بغض النظر عن حجم الأذى الذي تعرضت له. وبالنسبة إلى هذه المكونات، التي استُهدفت بطرق مختلفة، بقي مصطلح «الاختطاف» غير معرّف في القانون، مما فتح الباب أمام تفسيرات متباينة بشأن ما إذا كان الشخص قد اختطفه تنظيم الدولة الإسلامية أم لا.

وثمة تحدٍ آخر تمثل في تحديد الأضرار التي يجب إثباتها للاستفادة من جبر الضرر بموجب المادة الأولى من القانون، والتي تشمل الاختطاف، والعنف الجنسي، وتفريق أفراد الأسرة، والإجبار على تغيير الدين، والأذى الجسدي والنفسي. ونظراً إلى الاعتقاد السائد بأن كثيراً من الناجيات الإيزيديات تعرضن للعنف الجنسي، كان يُتوقع من المتقدمات في كثير من الأحيان تقديم أدلة على تعرضهن لأكثر من نوع من الأذى. ورغم أن القانون لا يشترط إثبات الاغتصاب، فإن هذا السؤال كان يُطرح مراراً خلال إجراءات تقديم الطلبات، ولا سيما بالنسبة إلى المتقدمات الأصغر سناً. وكان الضغط على النساء للإفصاح عن تعرضهن للاغتصاب تجربة صادمة ومصدر وصم اجتماعي في آن واحد.

وأخيراً، ساد غموض بشأن الفتيات من المكونات الشبكية والمسيحية والتركمانية اللواتي يشملهن القانون. إذ يستخدم قانون الناجيات الإيزيديات عدة مصطلحات للإشارة إلى الناجيات المؤهلات، من بينها «النساء»، و«الأطفال»، و«الفتيات المراهقات». وفي حين ينص القانون صراحة على شمول الأطفال الإيزيديين، فإنه يشير إلى الناجيات من المكونات الأخرى بوصفهن «فتيات مراهقات». وقد أدى هذا الاختلاف في الصياغة إلى استبعاد الفتيات دون السادسة عشرة من العمر من المكونات الشبكية والتركمانية والمسيحية، رغم تعرضهن للأضرار نفسها التي لحقت بالأطفال الآخرين. وبما أن القانون لا يعرّف هذه المصطلحات، فقد تُرك تفسيرها للجنة المختصة بالنظر في الطلبات. وعملياً، اعتمدت اللجنة التفسير الأكثر تضييقاً، ما أدى إلى استبعاد الفتيات من هذه المكونات. ونتيجة لذلك، خاضت بعض الفتيات الصغيرات إجراءات شاقة قبل أن يكتشفن في النهاية أنهن غير مؤهلات للاستفادة من البرنامج.

كما يشوب القانون عدد من الثغرات الإجرائية. فعلى سبيل المثال، عندما ترفض اللجنة طلباً للحصول على جبر الضرر، لا تحرص المديرية العامة لشؤون الناجيات دائماً على إصدار قرار خطي يوضح تاريخ القرار وأسباب الرفض. ويخلق غياب هذه المعلومات عقبات عملية أمام الناجين الراغبين في الطعن، سواء أمام اللجنة نفسها أو، كملاذ أخير، أمام محكمة البداءة. ورغم أن بعض الناجين طلبوا قرارات خطية وحصلوا عليها، فإن ذلك لا يُطبق بصورة منتظمة، كما أن التوضيحات الشفوية المقدمة عبر الهاتف قد تكون ناقصة أو يساء فهمها. وبما أن الطعون يجب تقديمها خلال ثلاثين يوماً، فإن غياب أسباب واضحة للرفض يضع الناجين في موقف غير متكافئ عند إعداد طعونهم.

الشرط الإضافي لإجراء تحقيق جنائي

تعرض البرنامج لانتكاسة كبيرة بعد شهرين فقط من بدء تنفيذه، عندما اشترطت اللجنة على جميع المتقدمين إثبات أنهم تقدموا بشكوى جنائية في المكان الذي اختُطفوا فيه، وأن التحقيق قد استُكمل. وسرى هذا الشرط بغض النظر عما إذا كان الناجون يعرفون هوية الجناة، أو ما إذا كان الجناة موجودين في العراق أو خارجه، أو قد أُوقفوا أو ما زالوا فارين، أو حتى أحياء أو أمواتاً. ورغم أن هذا الإجراء كان اختيارياً بموجب القانون، فإن الرئيس السابق للجنة جعله إلزامياً بحجة منع الاحتيال، وهو ما غيّرعملياً الطبيعة الإدارية لبرنامج جبر الضرر.

وعملياً، كان على كل ناجٍ، من أجل تقديم شكوى جنائية، التعامل مع جهات حكومية متعددة ضمن منظومة العدالة الجنائية. وشمل ذلك الشرطة، والمحققين القضائيين، وأجهزة الأمن والاستخبارات، وجميعهم كانوا مخولين بإجراء مقابلاتهم الخاصة بالطريقة التي يرونها مناسبة، وكان بإمكان كل جهة أن تؤثر في مصير ملف الناجي، سواء بتأخير الإجراءات أو بإصدار استنتاجات سلبية.

وبما أن التحقيقات الجنائية كانت تُجرى حضورياً، اضطر الناجون إلى العودة إلى المواقع التي اختطفهم فيها تنظيم الدولة الإسلامية، لإجراء مقابلات مع الشرطة وقاضي التحقيق. وكان ذلك يعني العودة إلى أماكن تستحضر الصدمات النفسية، ويشعرون فيها بانعدام الأمان بسبب احتمال وجود عناصر من التنظيم أو داعمين لهم.

وخلال المقابلات، اضطر الناجون أيضاً إلى الإجابة مجدداً عن أسئلة تتعلق بالعنف الجنسي، من دون أن يكون المسؤولون قد تلقوا تدريباً على كيفية التعامل مع حساسية هذا النوع من القضايا. وفي إطار التحقيق، كان بعض المسؤولين الحكوميين، ولا سيما أفراد الشرطة وقضاة التحقيق، يطرحون هذه الأسئلة داخل قاعات المحاكم، أحياناً بحضور موظفين حكوميين وأشخاص من العامة، أو وأبواب القاعات مفتوحة، أو بحضور محامين يتابعون قضايا أخرى. وقد عرّض ذلك الناجين للوصم الاجتماعي، وعيش الصدمات النفسية مجدداَ، وخطر الإضرار بعلاقاتهم الأسرية والمجتمعية.

كما كانت إجراءات التحقيق الجنائي في العراق تشترط على الناجين تقديم شاهدين يثبتان أنهم اختُطفوا أو شوهدوا أثناء احتجازهم. وأدى جعل هذا الشرط إلزامياً إلى تقويض الضمانات المتعلقة بسرية المعلومات، إذ اضطر الناجون إلى إشراك آخرين لتأكيد رواياتهم. ومع مرور الوقت، أُبلغ الناجون أيضاً بأن الشهود يجب أن يكونوا «معتمدين» من قبل اللجنة، مما زاد من القيود المفروضة على من يمكنه الاستفادة من البرنامج.

وشكل ذلك تحدياً خاصاً للناجين المنتمين إلى المكونات الأصغر عدداً، وكذلك للناجين المقيمين في المنفى، إذ كثيراً ما تعذر العثور على مثل هؤلاء الشهود. وحتى الناجون الذين سبق أن وافقت اللجنة على طلباتهم، وقدّموا شكاواهم وأدلوا بشهاداتهم، اضطروا إلى العودة إلى المحاكم ومراكز الشرطة للإدلاء بشهاداتهم مرة أخرى دعماً لطلبات ناجين آخرين، ما أجبرهم على استعادة تجاربهم المؤلمة. كما تكبد الناجون أعباء كبيرة مرتبطة بالسفر والتكاليف والتنقل، والأهم من ذلك أنهم عاشوا حالة مستمرة من القلق وعدم اليقين، في ظل تغيّر الإجراءات، وظهور متطلبات جديدة، وغياب الشفافية. وكان كثيرون داخل العراق يضطرون إلى السفر مرات عدة من مخيمات إقليم كردستان إلى الموصل أو سنجار على نفقتهم الخاصة، كما اضطر بعضهم إلى اصطحاب أطفالهم لتقديم طلبات منفصلة. أما آخرون، فقد عادوا من الخارج، بما في ذلك من أوروبا وأستراليا وكندا والولايات المتحدة، متحملين تكاليف باهظة.

ورغم أن شرط تقديم الشكوى الجنائية لم يُلغَ، فإن المديرية العامة لشؤون الناجيات، وبعد أكثر من ثلاث سنوات على اعتماد القانون، أطلقت برنامجاً تجريبياً يتيح للناجين المقيمين في الخارج تقديم طلباتهم عبر السفارات العراقية في عدد من الدول الأوروبية، وهو ما خفف بشكل كبير من الأعباء المالية واللوجستية والنفسية. وقد شكل نظام التقديم عن بُعد هذا خطوة أساسية نحو ضمان إتاحة جبر الضرر لعدد أكبر من الناجين.

دروس لبرنامج جبر الضرر السوري في المستقبل

تشترط المعايير الدولية أن تكون تدابير جبر الضرر كافية، وفعالة، وتُنفذ في الوقت المناسب، من دون أن تتسبب في الوصم أو في إلحاق مزيد من الأذى بالضحايا، وأن تُقدم من خلال إجراءات يسهل الوصول إليها، تضع الناجين في صميم اهتمامها، وتوفر معلومات واضحة ومساعدة قانونية. وتبرز تجربة تنفيذ قانون الناجيات الإيزيديات عدداً من الدروس التي قد تكون ذات صلة بصانعي السياسات ومنظمات المجتمع المدني في سوريا عند التفكير في آليات جبر الضرر مستقبلاً.

  1. ينبغي أن يُصاغ القانون بوضوح، مع تحديد معايير الأهلية بدقة. ويجب أن يوضح من هم الأشخاص المؤهلون للاستفادة، وما الجرائم التي يشملها، وما الأدلة المطلوبة للحصول على التعويضات، بدلاً من ترك المصطلحات الأساسية عرضة للتفسير.
  2. كما ينبغي أن تكون قرارات الأهلية شفافة وقائمة على التشاور. فالسوريون الذين يتقدمون بطلبات للحصول على جبر الضرر ويُرفض طلبهم يجب أن يتلقوا قراراً خطياً يبين أسباب الرفض، مع معلومات واضحة بشأن المهل القانونية وآليات الطعن.
  3. ويُرجح أن يحقق برنامج إداري لجبر الضرر نتائج أكثر مراعاة للناجين في سياقات الجرائم واسعة النطاق والموارد المحدودة. فإجراءات المساءلة الجنائية غالباً ما تتطلب معايير إثبات أعلى، وتنطوي على مسارات طويلة ومعقدة، وتفرض أعباء أكبر على الأفراد. ورغم أهمية المساءلة الجنائية، ينبغي أن تبقى منفصلة عن برامج جبر الضرر الإدارية، وألا تكون في أي حال شرطاً للحصول على التعويضات.
  4. وينبغي اعتماد معايير مرنة للإثبات، وإجراءات تراعي الصدمات النفسية. فكثير من الناجين يفتقرون إلى الأدلة الوثائقية، لذلك يجب أن تقبل البرامج طيفاً واسعاً من الأدلة الموثوقة، بما في ذلك شهادات الناجين أنفسهم. كما ينبغي تدريب القائمين على البت في الطلبات على التعامل مع الناجين وإجراء المقابلات بطريقة تراعي حساسيتهم، بهدف جمع المعلومات اللازمة بأسلوب يحفظ كرامتهم. ويجب أن تكفل الإجراءات حماية الخصوصية وسرية المعلومات، وأن تتجنب الخوض غير الضروري في تفاصيل الانتهاكات، وأن تراعي الاعتبارات المرتبطة بالنوع الاجتماعي، بما في ذلك توظيف وتدريب كوادر نسائية. وينبغي أن تضع جميع الإجراءات سلامة الناجين الجسدية والنفسية في مقدمة أولوياتها.
  5. ومن الضروري أيضاً ضمان إتاحة البرنامج لجميع السوريين، داخل البلاد وخارجها، بمن فيهم المقيمون في المناطق البعيدة عن دمشق. ويمكن أن يشمل ذلك توفير آليات للتقديم عبر الإنترنت، وإنشاء مكاتب فرعية، والتنسيق مع السفارات، مع الإقرار بأن ليس جميع السوريين قادرين أو راغبين في الاعتماد على الخدمات القنصلية، ولا سيما اللاجئون وطالبو اللجوء، أو أولئك الذين ما زالوا يفتقرون إلى الثقة بالمؤسسات الحكومية.
  6. كما ينبغي إنشاء آليات مستقلة للرقابة والطعن، بما يضمن مراجعة القرارات بصورة عادلة ومن دون تحيز من قبل جهة مستقلة.
  7. ويتعين على الحكومات أيضاً العمل بشكل وثيق مع منظمات المجتمع المدني، سواء للاستفادة من خبراتها الفنية، أو لتقديم الخدمات إلى الناجين، بما في ذلك الدعم النفسي والمساعدة القانونية.

وفي نهاية المطاف، ينبغي لبرامج جبر الضرر أن تثبت أن الدولة ملتزمة ليس فقط بالاعتراف بالأضرار التي وقعت في الماضي، بل أيضاً بإعادة بناء الثقة بينها وبين مواطنيها، ومنع تكرار الفظائع مستقبلاً. وستكون فرص نجاح برنامج جبر الضرر في سوريا أكبر إذا صُمم بطريقة تضع الناجين في صميم اهتمامها، وتراعي آثار الصدمات النفسية، وتتجنب الطابع الخصومي، وتستجيب للواقع الذي يعيشه الناجون.


تم تمويل هذا المنشور من قبل الاتحاد الأوروبي ضمن مشروع «عدالة شاملة في سوريا: بناء القدرات وإيلاء الضحايا الأولوية ». وتُعدّ محتوياته من المسؤولية الحصرية لموقع جستس انفو ولا تعكس بالضرورة آراء الاتحاد الأوروبي (Justice Info) كما يحتفظ صحفيو جستس انفو باستقلالية تحريرية كاملة على كافة المحتوى.

Mustafa HaidMUSTAFA HAID

Mustafa Haid is a Syrian human rights advocate, senior advisor, and writer with over 15 years of experience working on transitional justice, accountability, civil society, and gender mainstreaming in Syria and beyond. He is the founder of the Dawlaty organization and holds a Master’s degree in Conflict Resolution from King’s College London.


Zoe ParisZOE PARIS

Zoé Paris is a jurist with expertise in international law and transitional justice. She has worked with grassroots organizations in Iraq, France and Palestine through advocacy, documentation and strategic litigation. In Iraq, she has focused on advocacy around transitional justice, access to reparations under the Yazidi Survivors’ Law, and ethical engagement with survivors of ISIS crime.


Sherizaan MinwallaSHERIZAAN MINWALLA

Sherizaan Minwalla is a human rights lawyer with expertise in Iraq, focused on human rights and access to justice. Since 2014, she has worked closely with survivors of ISIS crimes. She has contributed to the design and the implementation of the Yazidi Survivors’ Law and has researched the impact of incorporating criminal investigations into the administrative reparations process.

إعادة النشر