محاكمة حلب: اختبار لمستقبل العدالة في سوريا

في حلب، تتواصل المحاكمة المتعلقة بأعمال العنف التي هزّت الساحل السوري في ربيع عام 2025، وسط مزيج من الترقب، والضغوط الدولية، والحذر الإجرائي، ولا سيما عندما يتعلق الأمر بافراد تابعين إلى النظام الجديد.

مبنى محكمة حلب، حيث يظهر أشخاص وهم يدخلون المبنى خلال الجلسة الأولى لمحاكمة المتهمين في أحداث العنف التي وقعت في مارس 2025 على الساحل السوري، وقد التُقطت الصورة في نوفمبر 2025.
قصر العدل في حلب، التُقطت هذه الصورة في 18 نوفمبر/تشرين الثاني 2025 خلال الجلسة الأولى للمحاكمة المتعلقة بأعمال العنف التي شهدها الساحل السوري في مارس/آذار 2025، والتي أسفرت عن مقتل أكثر من 1400 شخص، غالبيتهم من المدنيين العلويين. الصورة: © بشرى الزعبي

منذ الجلسة الأولى التي عُقدت في 18 نوفمبر/تشرين الثاني 2025، تنظر المحكمة العسكرية في حلب، شمال غربي سوريا، في المسؤوليات الفردية عن سلسلة من الهجمات التي شكّلت، قبل عام، إحدى أكثر المحطات دموية في المرحلة الانتقالية التي تشهدها سوريا.

وتندرج الجلسة الأخيرة، التي عُقدت في 2 أبريل/نيسان 2026، ضمن هذا المسار القضائي المعقّد. وقد بُثّ جزء منها عبرفيديو على صفحة فيسبوك وزارة العدل السورية. وكانت انفو جستيس، التي حضرت الجلسة الأولى في حلب خلال شهر نوفمبر/تشرين الثاني، قد تابعت هذه الجلسة عن بُعد من باريس. وتُعد هذه الجلسة الرابعة ضمن المحاكمة التي تنظر في قضايا اشخاص محسوبين على النظام السابق متهمين بمهاجمة قوات السلطة الجديدة، إلى جانب افراد تابعين إلى النظام الجديد متهمين بدورهم بتنفيذ أعمال انتقامية وارتكاب مجازر بحق مدنيين علويين.

ويرى مراقبون مستقلون ومنظمات حقوقية، من بينها منظمة حقي والشبكة السورية لحقوق الإنسان، أن المحكمة بلغت اليوم مرحلة مفصلية، إذ يُفترض أن تتيح الأدلة التي جُمعت حتى الآن تقييم مسؤوليات الأجهزة الأمنية لدى الطرفين.

ورغم أن الجلسات تبدو مركّزة في المقام الأول على مؤيدي النظام السابق، فإن المتهمين السبعة الآخرين المنتمين إلى وزارة الدفاع وجهاز الأمن العام مثلوا أيضاً أمام محكمة حلب، وقد عُرضت بحقهم أدلة، بحسب مراقبين حضروا المحاكمة. إلا أنه، وعلى خلاف المتهمين السبعة المرتبطين بالنظام السابق، لم يُبثّ مثولهم أمام المحكمة مباشرة. وفي البيانات الرسمية، يُشار إلى هؤلاء عادةً بصفة «المتهمين» فقط، من دون أي إشارة إلى انتمائهم إلى الأجهزة الأمنية الحالية، في حين يُوصف المتهمون السبعة الآخرون غالباً بـ«الفلول»، وهو المصطلح المستخدم للإشارة إلى أنصار النظام السابق.

ويرى المعتصم الكيلاني، الخبير في القانون الجنائي الدولي وحقوق الإنسان، ومؤسس منظمة حقي، أن هذا الاختلاف في طريقة عرض المحاكمة أمام الرأي العام يثير تساؤلات بشأن شفافية الإجراءات القضائية وعدالتها.

العدالة تحت المجهر

تخضع كل مرحلة من مراحل هذه المحاكمة لتدقيق وثيق من قبل المنظمات الدولية وآليات رصد حقوق الإنسان في بلد ارتبط فيه النظام القضائي لعقود بالأجهزة الأمنية.

وبات عمل لجنة التحقيق الدولية المستقلة بشأن الجمهورية العربية السورية، المكلفة من قبل مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، أحد أبرز المراجع في هذا الملف. ففي أعقاب أعمال العنف التي شهدها الساحل السوري بين 7 و9 مارس/آذار 2025، خلصت اللجنة إلى أن «أكثر من 1400 شخص قُتلوا، بينهم نحو 100 امرأة، غالبيتهم من المدنيين العلويين في محافظات اللاذقية وطرطوس وحمص وحماة، وهو ما يرقى إلى جرائم حرب».

وجاء في التقرير، الذي نُشر في 12 مارس/آذار: «في أعقاب هذه الانتهاكات، عبّر كثيرون من أبناء المجتمعات المتضررة عن شعور عميق بانعدام الأمان والتهميش، إذ باتوا يشعرون بمزيد من الهشاشة في ظل غياب أي تمثيل سياسي فعّال». وأضاف التقرير: «وقد فرّ عشرات الآلاف منهم من البلاد، فيما يفكر آخرون في القيام بذلك».

وتشير اللجنة إلى أن الإجراءات القضائية الجارية في سوريا لا تزال، حتى الآن، تركز بصورة رئيسية على المشتبه في كونهم منفذين مباشرين، في حين أن «مسؤوليات كبار المسؤولين والقادة لم تتضح بعد». وتضيف: «ولتمكين المساءلة، لا بد من إصلاح كلاً من منظومة القضاء و القوانين الموروثة عن الحكومة السابقة، والتي كانت، في كثير من الأحيان، أداة لانتهاك حقوق السوريين بدلاً من حمايتها. كما يجب ضمان استقلال السلطة القضائية، ومهنيتها، وكفاءتها القانونية».

جلسة رابعة أكثر صرامة

في 2 أبريل/نيسان، افتتحت محكمة الجنايات في حلب جلستها في الموعد المحدد. ومنذ البداية، حرص رئيس المحكمة، زكريا بكّار، على إرساء أجواء من الانضباط. وقال قبل افتتاح الجلسة: «كل من يتأخر سيتحمل العواقب. سنفتتح جلستنا في تمام الساعة العاشرة».

وشهد ذلك اليوم إجراءات أمنية مشددة عند مدخل المحكمة، إذ خضع الحضور لعمليات تحقق متكررة من بطاقات الاعتماد، كما جرى التثبت من هوية جميع الداخلين إلى قاعة المحكمة. وامتلأت قاعة الجلسات بالصحفيين السوريين والأجانب، وممثلي منظمات المجتمع المدني، وعائلات الضحايا، وأقارب المتهمين، وذلك تحت رقابة مشددة من عناصر الأمن.

أربعة عشر متهماً ضمن مجموعتين منفصلتين

يتوزع المتهمون الأربعة عشر الذين تجري محاكمتهم على مجموعتين متميزتين. تضم المجموعة الأولى أشخاصاً مرتبطين بمؤسسات النظام السابق في عهد الرئيس بشار الأسد، فيما تضم المجموعة الثانية أفراداً من الأجهزة الأمنية التابعة للسلطات الانتقالية.

وتشمل التهم التي وجهتها النيابة العامة المشاركة في هجمات مسلحة، والقتل، والنهب، وتدمير ممتلكات المدنيين. كما تتضمن لائحة الاتهام، في عدد من القضايا، تهمة التحريض على العنف على أساس ديني.

ويعكس قرار محاكمة هاتين المجموعتين في إطار قضية واحدة خياراً سياسياً وقضائياً بالغ الحساسية. فالسلطات الانتقالية تسعى إلى إظهار أن العدالة تُطبَّق على المنتمين إلى كلٍّ من النظام السابق والحالي على حد سواء. إلا أن هذه المقاربة زادت، في المقابل، من تعقيد مجريات المحاكمة، إذ وسّعت نطاق المسؤوليات والأدلة التي يتعين على المحكمة فحصها.

تلعب الأدلة الرقمية دوراً متزايداً

استغرقت الجلسة ساعة واحدة، وكرِّست في المقام الأول لعرض الأدلة الرقمية، بما في ذلك مقاطع الفيديو والتسجيلات التي جُمعت من الهواتف المحمولة ومن المصادر المفتوحة.

وأوضح المدعي العسكري علاء الدين لطيف أن عدداً من هذه الأدلة جرى التوصل إليها باستخدام تقنيات الأدلة الجنائية الرقمية. وقال أمام المحكمة: «عُثر على بعض مقاطع الفيديو اما مباشرة على هواتف المتهمينمن أومن خلال تحليل المصادر المفتوحة».

وبناءً على طلبه، عُرضت هذه المواد على شاشة داخل قاعة المحكمة خلال جلسة 2 أبريل/نيسان، بما أتاح للمحكمة الاستناد إليها مباشرة أثناء استجواب المتهمين ومقارنة أقوالهم بالأدلة وتقييم مدى اتساق رواياتهم.

وطلب فريق الدفاع إخضاع هذه المقاطع لمزيد من الفحص، مدعياً أنها صُورت قبل وقت طويل من وقوع المجازر على الساحل.

واعترض عدد من المتهمين، بدورهم، على موثوقية بعض التسجيلات، مؤكدين أنها قد تكون خضعت للتلاعب أو أُنتجت باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي. ومن المقرر أن يقدّم خبراء فنيون تقريراً لتقييم مدى صحة هذه الأدلة.

تطور تدريجي في مسار المحاكمة

يرى عدد من المراقبين المستقلين، من بينهم المعتصم الكيلاني، أن الجلسات الأخيرة تعكس تحولاً في الطريقة التي تتعامل بها المحكمة مع القضية.

ووفقاً لتقرير مراقبة المحاكمة الذي نشرته منظمة  حقي، كانت الجلسات الأولى تهدف أساساً إلى الاستماع إلى إفادات المتهمين وتوثيق الوقائع الرئيسية. أما الجلسات الأخيرة، فتمثل انتقالاً إلى مرحلة أكثر تحليلاً، إذ باتت المحكمة تسعى إلى رصد أوجه التناقض في الإفادات، وتحديد الأنماط السلوكية، بدلاً من الاكتفاء بدراسة كل واقعة على حدة.

ويلخّص الكيلاني، الذي حضر الجلسة الثالثة في 15 مارس/آذار، هذا التحول بقوله: «يمكن ملاحظة أن المحاكمة لم تعد في مرحلة الاستماع، بل دخلت مرحلة التقييم. فقد أصبحت الأسئلة أكثر دقة، فيما باتت إجابات المتهمين أكثر حذراً».

ويضيف أن هذا التحول ينعكس أيضاً على استراتيجية الدفاع، إذ أصبحت دفوعه أكثر تنظيماً، وتركّز بصورة أكبر على التكييف القانوني للوقائع.

الاحتجاز غير القانوني ومزاعم سوء المعاملة

على الرغم من هذه التطورات، لا تزال عدة منظمات تعرب عن قلقها إزاء مدى احترام الضمانات الإجرائية. وتؤكد لجنة التحقيق الدولية المستقلة التابعة للأمم المتحدة في تقريرها أن « احتُجزالمتهمين في مراكز احتجاز غير رسمية وأخرى رسمية، بما في ذلك فروع الأجهزة الأمنية والسجون. وقد أُلقي القبض عليهم واحتُجزوا من دون مذكرة قضائية، ومن دون إبلاغهم بالأسباب ، ومن دون عرضهم على قاضٍ، أو تمكينهم من الاستعانة بمحامٍ أو الطعن في قانونية احتجازهم».

وخلال الجلسات السابقة، تحدث بعض المتهمين عن تعرضهم للتعذيب أثناء توقيفهم أو خلال فترة احتجازهم. وأشارت المحكمة إلى أنها ستأخذ هذه الإفادات في عين الاعتبار عند تقييم الاعترافات الواردة في ملف القضية.

محاكمة ذات أهمية رمزية

تكتسب هذه المحاكمة أهمية رمزية بالنسبة لسوريا التي تمر بمرحلة انتقالية.

وفي التقرير نفسه، شدد خبراء الأمم المتحدة على أن «هناك حاجة إلى بذل جهود أكبر لبناء مؤسسات دولة جديدة تحترم سيادة القانون وحقوق الإنسان. [...] ويطالب السوريون بمؤسسات قضائية وأجهزة لإنفاذ القانون بما يوفرالحماية للجميع على قدم المساواة، إلى جانب ضمانات تحول دون تكرار الانتهاكات وتكفل المساءلة».

ويشير المعتصم الكيلاني إلى أن العدالة الانتقالية لا يمكن أن تقتصر على عدد محدود من المحاكمات الرمزية، بل تتطلب إجراء تحقيقات معمقة في هياكل السلطة التي أتاحت وقوع أعمال العنف، وفي سلاسل القيادة التي أفضت إليها. لكنه يضيف، في تقريره الخاص بمراقبة المحاكمة، أن «كل جلسة تمثل محاولة لإعادة بناء الممارسة القضائية في سياق أُضعفت فيه المؤسسات بصورة عميقة».

وبالنسبة إلى عائلات الضحايا، وكذلك للمراقبين الدوليين، تتجاوز أهمية هذه المحاكمة حدود هذه القضية بعينها. فالسؤال المطروح هو ما إذا كانت سوريا ستكون قادرة على إرساء منظومة قضائية قادرة على معالجة جرائم الماضي، وضمان احترام المبادئ القانونية الأساسية في الحاضر. وفي هذا السياق، تبدو محاكمة حلب، في آن واحد، محاولةً لتقديم رد قضائي على أعمال العنف التي شهدها عام 2025، واختباراً لمستقبل العدالة في البلاد.

ومن المنتظرأن تتيح الجلسات المقبلة التحقق من صحة الأدلة الرقمية، والاستماع إلى شهود جدد، وإصدار الحكم، المقرر في 23 أبريل/نيسان.


أُنجز هذا المنشور بتمويل من الاتحاد الأوروبي في إطار مشروع «عدالة شاملة في سوريا: بناء القدرات وإيلاء الضحايا الأولوية ». وتتحمل جستيس انفو(Justice Info) وحدها المسؤولية عن محتواه، ولا يعكس بالضرورة وجهات نظر الاتحاد الأوروبي. ويحتفظ صحفيو جستيس انفو باستقلاليتهم التحريرية الكاملة في جميع المواد المنشورة.

إعادة النشر