لقاء مع عائلات المفقودين في حلب

في 30 أيلول/سبتمبر، التقت الهيئة الوطنية للمفقودين في سوريا بعائلات المختفين في حلب، وذلك في إطار حملة للتواصل معهم، عقب استحداث الهيئة برنامجاً جديداً يتيح لهم تسجيل بيانات ذويهمم المفقودين.

استمعت الهيئة الوطنية للمفقودين في سوريا الأسبوع الماضي إلى عائلات الضحايا في جامعة حلب، شمال غربي سوريا. يروي هنا أبو حسان صالح معلوف كيف استعاد جثمان ابنه من مقبرة جماعية، والتعقيدات القانونية التي واجهها. الصورة: ©
استمعت الهيئة الوطنية للمفقودين في سوريا الأسبوع الماضي إلى عائلات الضحايا في جامعة حلب، شمال غربي سوريا. يروي هنا أبو حسان صالح معلوف كيف استعاد جثمان ابنه من مقبرة جماعية، والتعقيدات القانونية التي واجهها. الصورة: © كرم عامر

إنها ساعة الظهيرة عند مدخل كلية الطب في جامعة حلب، شمال غربي سوريا. يدخل طالبان يرتديان المعطفين الأبيضين، وقد ترك الحرّ آثار العرق على جبينيهما. يقول أحدهما للآخر: «تبدو الكلية غريبة اليوم. لماذا يوجد كل هؤلاء العائلات والمسنّين؟». ففي ذلك اليوم، 30 أيلول/سبتمبر، اختلطت في الساحة المقابلة للمدخل المعاطف البيضاء لطلاب الطب بالملابس التقليدية التي يرتديها أبناء ريف حلب.

وبالاتجاه نحو حرم الجامعة، يظهر ممرّ مسقوف يقود إلى درج عريض وعالٍ، تتفرّع منه أربعة سلالم طويلة وضيقة. يجلس الطلاب متفرقين على الدرجات؛ يحمل بعضهم أكواب القهوة، فيما يمسك آخرون بمعاطفهم المخبرية. ترتسم الابتسامات على وجوههم، وتتخللها ضحكات بين الحين والآخر.

في الأثناء، تتحرك بين الطلاب ثلاث مجموعات منفصلة من كبار السن، تضم كل منها ما بين رجلين وامرأتين إلى خمسة أشخاص من الرجال والنساء. تبدو حركتهم شاقة بوضوح، لكنهم يمضون بشيء من الاستعجال. وتشي وجوههم بالحيرة والقلق. بعد دقائق، يعثر رجلان من إحدى المجموعات على الدرج المؤدي إلى مدرّج كبير، ويناديان المجموعات الأخرى لاتباعهما. تبدأ المجموعات بالصعود بأسرع ما تسمح به أجسادهم المتقدمة في السن. ويساعد بعضهم بعضاً على اجتياز الدرجات. وعند أعلاه، يتجمعون أمام باب صغير من الزجاج والألمنيوم لالتقاط أنفاسهم. إنه باب المدرّج، حيث قررت الهيئة الوطنية للمفقودين عقد لقاء للاستماع إلى مطالبهم بصفتهم من عائلات المفقودين، وتعريفهم ببرنامج «أثر» الذي أطلقته الهيئة مؤخراً للإبلاغ عن حالات الفقدان.

يستقبلهم شبان وشابات يعملون لدى الهيئة، يرتدون سترات بلون الكاكي كُتبت عليها الأحرف الأولى من اسمها بالإنجليزية (NCMP).  يرافق موظفو الهيئة كبار السن عبر قاعة بيضاء واسعة وأكثر برودة بقليل من الخارج إلى طاولة خشبية موضوعة عند مدخل المدرّج. هناك، تبدأ موظفتان بتدوين بيانات أفراد العائلات واحداً تلو الآخر. وبعد انتهاء كل شخص، يصطحبه متطوعون إلى المدرّج الخشبي الكبير حيث يجلس الحاضرون. يضم المكان صفوفاً عدة من المقاعد البرتقالية المائلة إلى اللون النحاسي، التي تُطوى وتُفتح مثل مقاعد دور السينما. وتتوزع المقاعد على ثلاثة أقسام تفصل بينها أربعة ممرات من الدرجات، ترتفع تدريجياً باتجاه مؤخرة المدرّج. وعلى مدى يوم واحد، يتحول هذا المدرّج الواسع، الذي اعتاد استضافة المحاضرات العلمية والمعارض، إلى مساحة يبدأ فيها تسليط الضوء على جانب من الماضي العنيف الذي لم تُطوَ صفحته بعد في البلاد.

«نحن هنا لنستمع إليكم»

تعلن هناء الخضر، منسقة الهيئة الوطنية للمفقودين في حلب، وهي تقدّم الضيوف الجالسين على المنصة الخشبية: «يشاركنا اليوم الدكتور محمد رضا جلخي، رئيس الهيئة الوطنية للمفقودين؛ والسيد علي حنورة، نائب محافظ حلب؛ والدكتور محمد أسامة رضون، رئيس جامعة حلب؛ والسيد أيمن شمو، ممثل مجلس الشعب ورئيس لجنة الضحايا؛ والسيد أنور الرشدي، المستشار القانوني للهيئة». وتضيف: «سنستمع أولاً إلى كلمة الهيئة، ثم ننتقل إلى الاستماع إلى آرائكم ومقترحاتكم».

تُعدّ الهيئة الوطنية للمفقودين إحدى الهيئتين اللتين أنشأتهما السلطات السورية الجديدة للتعامل مع الجرائم الجسيمة التي ارتُكبت خلال 54 عاماً من حكم آل الأسد (1970-2024)، بما في ذلك 13 عاماً من الحرب الأهلية بين عامي 2011 و2024.

يقول رئيس الهيئة الوطنية للمفقودين، محمد رضا جلخي، موضحاً: «للهيئة مهمتان أساسيتان. تتمثل الأولى في تحديد مصير المفقودين، والثانية في دعم عائلاتهم». وتنقسم خطة الهيئة للسنوات الثلاث المقبلة إلى خمس مراحل، يشرحها قائلاً: «تتمثل المرحلة الأولى في بناء هذه المؤسسة الوطنية إدارياً وتشريعياً. أما المرحلة الثانية، فتقوم على إنشاء قاعدة بيانات وطنية للمفقودين في سوريا. وتهدف المرحلة الثالثة إلى تشكيل فرق سورية متخصصة في هذا المجال وتزويدها بالمعدات اللازمة. أما المرحلة الرابعة، وهي الأكثر إيلاماً، فتتمثل في فتح المقابر الجماعية وانتشال الرفات ومطابقتها مع العينات التي جُمعت من العائلات. وتتمثل المرحلة الخامسة في تقديم الدعم النفسي والتضامني إلى عائلاتنا، عائلات المفقودين، إلى جانب أشكال أخرى من الدعم نعمل على توفيرها».

لكنه يستدرك مؤكداً أن البداية تقتضي، قبل كل شيء، الإصغاء إلى العائلات: «نحن هنا اليوم لنستمع أكثر مما نتحدث».

الضيوف خلال اللقاء في المدرّج الرئيسي لكلية الطب بجامعة حلب، في 30 أيلول/سبتمبر 2026. من اليسار إلى اليمين: أنور الرشدي، المستشار القانوني للهيئة الوطنية للمفقودين والمختفين قسراً؛ هناء الخضر، منسقة الهيئة في حلب؛ علي حنورة، نائب محافظ حلب؛ محمد رضا جلخي، رئيس الهيئة الوطنية للمفقودين؛ محمد أسامة رضون، رئيس جامعة حلب؛ وأيمن شمو، عضو مجلس الشعب ورئيس لجنة الضحايا في الهيئة.
الضيوف خلال اللقاء في المدرّج الرئيسي لكلية الطب بجامعة حلب، في 30 أيلول/سبتمبر 2026. من اليسار إلى اليمين: أنور الرشدي، المستشار القانوني للهيئة الوطنية للمفقودين والمختفين قسراً؛ هناء الخضر، منسقة الهيئة في حلب؛ علي حنورة، نائب محافظ حلب؛ محمد رضا جلخي، رئيس الهيئة الوطنية للمفقودين؛ محمد أسامة رضون، رئيس جامعة حلب؛ وأيمن شمو، عضو مجلس الشعب ورئيس لجنة الضحايا في الهيئة. الصورة: © كرم عامر

«عليكم رعاية الذين فقدوا ذاكرتهم»

تقول سهى العقاد، وهي معلمة متقاعدة حضرت اللقاء برفقة زوجها: «ابني واحد من الذين فقدوا ذاكرتهم. أنا متأكدة من ذلك». وتوضح أن ابنها صلاح مهندس مجتهد، اعتقله فرع الأمن السياسي التابع للحكومة عام 2011، إثر تقرير كاذب قدّمه أحد زملائه.

وتقول بصوت خافت لا يتناسب مع غزارة الدموع التي تنهمر من عينيها وعيني زوجها، ومن عيون الحاضرين في القاعة: «حتى عام 2018، كنا نعرف أن صلاح على قيد الحياة، وأنا متأكدة من ذلك». ثم تضيف بنبرة أكثر حزماً: «ابني حيّ. أشعر بذلك. لذلك أعتقد أنه واحد ممن فقدوا ذاكرتهم فحسب!». وتتوجه إلى الهيئة قائلة: «الذاكرة تعود. لقد شاهدت تقارير كثيرة عن ذلك. عليكم رعاية الذين فقدوا ذاكرتهم، حتى يتذكرونا ويعودوا إلينا».

تقترب موظفتان من الهيئة لتسجيل بيانات السيدة سهى. ويتكرر المشهد طوال الجلسة؛ إذ ينتقل الميكروفون من عائلة مفقود إلى أخرى، فيما يتحدث أفراد العائلات عن مشكلاتهم واحتياجاتهم، ويتابع موظفو الهيئة أوضاعهم ويجمعون معلوماتهم.

مشروع «أثر»

يتمثل أحد الأهداف الأساسية للهيئة في التعريف ببرنامج «أثر». وتعني كلمة «أثر» علامة أو دليلاً أو بقايا شيء. وقد أُطلق البرنامج في 30 آب/أغسطس 2026، تزامناً مع اليوم الدولي للمختفين قسراً.

توضح هناء الخضر: «أثر تطبيق إلكتروني يمكن للعائلات تنزيله لتسجيل المعلومات المتعلقة بالمفقودين. وقد أعددنا خطة لزيارة جميع مناطق حلب وتشجيع العائلات على التسجيل في البرنامج. ويساعدنا مخاتير القرى والبلدات في ريف حلب في ذلك».

وُزّعت منشورات على العائلات عند دخولها القاعة، تتضمن رموز استجابة سريعة (QR) وأرقام خطوط ساخنة لتنزيل البرنامج والتواصل مع الهيئة للحصول على المساعدة في إدخال البيانات إلى التطبيق.

وتقول يارا قرنفلة، مهندسة ومسؤولة إدخال البيانات التي تعمل على مشروع «أثر»: «المنصة عبارة عن تطبيق يعمل بنظام أندرويد وموقع إلكتروني لمستخدمي آيفون. ولا يمكن تنزيل التطبيق من متجري غوغل بلاي أو آب ستور، بل يجب تنزيله مباشرة من الموقع الإلكتروني عبر رمز الاستجابة السريعة الذي وفرته الهيئة في المنشورات الموزعة اليوم. أما مستخدمو آيفون، فيمكنهم التسجيل عبر الموقع الإلكتروني فقط».

تقول بعض العائلات إنها سجلت بياناتها بالفعل. لكن الأمر لم يكن بهذه السهولة بالنسبة إلى كبار السن، إذ إن معظمهم لم يسبق لهم استخدام هذه التقنيات.

أبو نعيم، وهو مزارع غير معتاد على استخدام الهواتف الذكية، يجادل إحدى موظفات الهيئة الوطنية للمفقودين بينما تحاول شرح كيفية التسجيل في منصة «أثر».
أبو نعيم، وهو مزارع غير معتاد على استخدام الهواتف الذكية، يجادل إحدى موظفات الهيئة الوطنية للمفقودين بينما تحاول شرح كيفية التسجيل في منصة «أثر». الصورة: © كرم عامر

فجوة العمر والتكنولوجيا

يقول أبو نعيم، قبل أن يعدّل الكوفية الحمراء المعقودة حول رأسه ويمسح بها وجهه: «أمضينا أسبوعاً كاملاً نحاول تسجيلي. وفي كل مرة، كان البرنامج يعطيهم رسالة خطأ». ثم يتابع: «أنا مزارع من قرية الحلبيّة، وليست لدي خبرة كبيرة في استخدام الهاتف المحمول».

حضر أبو نعيم إلى اللقاء لأن ابنه اعتُقل من منزلهم عام 2017، وكان يبلغ من العمر 16 عاماً. ويقول: «حاكموه عام 2018، وأصدرت القاضية حكماً بحقه رغم إرادتها. وعلى الرغم من أنها أخبرتني لاحقاً أن ابني بريء، قالت إنه لا يوجد ما يمكنها فعله. فقلت لها: إنه ابني الوحيد».

وعندما يغادر أبو نعيم الطاولة التي دوّنت عندها إحدى موظفات الهيئة الوطنية للمفقودين بياناته، وأعطته منشوراً وكتبت له أرقاماً يمكنه الاتصال بها طلباً للمساعدة، يقول: «لم أتمكن من سماع أي شيء بسبب الضجيج، ولم أفهم شيئاً. لكنني حصلت، على الأقل، على رقم شخص قد يتمكن من مساعدتي لاحقاً». ثم يغادر على عجل.

تقول يارا قرنفلة: «نواجه دائماً بعض المشكلات مع العائلات، ولا سيما كبار السن. فغياب البنية التحتية للإنترنت، وعدم امتلاك بعض العائلات هواتف محمولة، يجعلان التواصل معها صعباً. كما أن عدم شيوع استخدام البريد الإلكتروني في مجتمعاتنا يسبب مشكلات أثناء مرحلة التسجيل في التطبيق». وتضيف أن ملء الاستمارة يستغرق وقتاً، موضحةً: «تتضمن الاستمارة ما بين 160 و165 سؤالاً، وهو ما قد يؤدي إلى إغفال العائلات بعض التفاصيل».

ولمعالجة هذه المشكلات، تقول هناء الخضر: «شكّلنا مجموعات وفق خطة للتنقل وزيارة جميع مناطق حلب. وتساعد هذه المجموعات العائلات على التسجيل في التطبيق. كما خصصنا أرقاماً سريعة للتواصل مباشرة مع الفريق التقني، ولدينا خطة لإنشاء نقاط للمساعدة في مناطق مختلفة. كذلك خصصنا متحدثين باللغة الكردية وآخرين بالتركمانية لمساعدة العائلات التي لا تستطيع التحدث بالعربية».

التواصل مع المجتمع الكردي

تقول شابة تبلغ من العمر 22 عاماً، وهي ابنة أخ أحمد خليل الذي فُقد عام 2021 على الطريق بين أعزاز وعفرين: «لم أواجه شخصياً أي مشكلات في التسجيل على المنصة». حضرت الشابة اللقاء برفقة أختها وزوجة الرجل المفقود وابنهما. وكانت العائلة قد قدمت من مدينة عفرين ذات الغالبية الكردية. وتضيف: «سارت عملية التسجيل بسلاسة. لم أحتج سوى إلى تشغيل شبكة افتراضية خاصة (VPN)، وعمل التطبيق على نحو جيد».

تقول سوزانا أحمد، وهي عضو في فريق التواصل التابع للهيئة الوطنية للمفقودين، ومن أكراد عفرين: «واجهنا في البداية بعض الصعوبات في كسب ثقة المجتمع الكردي، لكننا نشهد الآن مشاركة أفضل، ولا سيما مع تواصل أشخاص مع أفراد المجتمع بلغتهم الأم. لا يزال هناك بعض التردد، لكن الأمور تتقدم».

وتقول زوجة خليل: «كان حضور جلسة اليوم مهماً جداً. وللمرة الأولى، شعرت بأن هناك أملاً».

بعد انتهاء اللقاء، غادر الجميع المدرّج وبدأوا النزول عبر الدرج الطويل باتجاه بوابة الخروج. وعند مغادرتهم، انقسموا إلى مجموعتين. وصلت أولاً إلى المخرج مجموعة صغيرة في المقدمة، تضم الشباب الذين حضروا اللقاء، إذ بلغوا البوابة بسرعة أكبر. وتلتها مجموعة يزيد عدد أفرادها على ضعف عدد أفراد المجموعة الأولى تقريباً، وكانت تتحرك ببطء وبخطوات غير منتظمة.

ومع خروجهم من حرم الجامعة، عادت الحياة المعتادة للطلاب تدريجياً؛ الابتسامات والضحكات وأكواب القهوة.

إعادة النشر