في 10 مايو/أيار 2026، عقدت المحكمة الجنائية الرابعة في دمشق جلستها الثانية في محاكمة العميد عاطف نجيب، الرئيس السابق لفرع الأمن السياسي في درعا وابن خال الرئيس السوري السابق بشار الأسد. ويُعدّ نجيب أول مسؤول رفيع المستوى من النظام السابق يمثل أمام محكمة سورية. كما يُحاكم إلى جانبه عدد من كبار المسؤولين الآخرين الذين تجري ملاحقتهم غيابياً.
وجاءت أجواء الجلسة مختلفة تماماً عن الجلسة الأولى التي عُقدت في 26 أبريل/نيسان، حين كانت أبواب المحكمة مفتوحة على مصراعيها. هذه المرة، مُنعت عائلات الضحايا التي قدمت من درعا (جنوب غربي سوريا) من حضور الجلسات. وانتظر بعضهم خارج المحكمة حاملين لافتات تطالب بتحقيق العدالة. أما في الداخل، فكانت الأجواء أكثر هدوءاً. وحلّ الصمت المترقّب محلّ الهتافات والشعارات الثورية والزغاريد التي غلبت على اجواء الجلسة السابقة
وبدا نجيب، اللذي كان يجلس داخل قفص حديدي إلى يمين منصة القضاة مرتدياً زي السجن المُخطط، هادئاً. ولم يكن مقيّد اليدين، إذ أبقاهما متشابكتين وهو يراقب عن كثب قاعة المحكمة تحت أنظار عناصر الشرطة بزيّهم الازرق الداكِن. وفي مواجهته جلس رئيس المحكمة، فخر الدين العريان، إلى جانب القضاة المساعدين والمحامي العام الاول بدمشق، حسام خطاب. واستهلّ رئيس المحكمة الجلسة التي جرى بثّ اجزاء منها عبر عدد من وسائل الإعلام السورية.
التعذيب والقتل وقمع الاحتجاجات
خُصِّص الجزء العلني من هذه الجلسة، التي تستمر بعد ذلك في جلسة مغلقة لاستجواب المُتهم، لتلاوة الاتهامات وعرض التهم الموجّهة إليه. وقعت الأحداث المذكورة بشكل أساسي في عام 2011 في درعا، وهي مدينة تقع في جنوب سوريا وتُعتبر مهد الثورة السورية
وبحسب النيابة العامة، قامت القوات التي كان يقودها نجيب باعتقال أطفال كتبوا شعارات مناهضة للنظام على جدران مدرستهم. وتفيد الاتهامات بأن هؤلاء القاصرين تعرّضوا لتعذيب جسدي ونفسي، شمل الصعق بالكهرباء والضرب المبرح واقتلاع أظافرهم. كما يُعتقد أن بعضهم قضى تحت التعذيب
هناك ادعاء ان نجيب رفض محاولات الوساطة التي قام بها وجهاء درعا، وانه قام بقيادة الحملة الأمنية والعسكرية لقمع الاحتجاجات السلمية، من خلال استخدام الذخيرة الحية، واقتحام المسجد العمري، ومنع وصول المساعدات الطبية إلى الجرحى، واللجوء بصورة منهجية إلى الاعتقال التعسفي والتعذيب. كما كان يشغل منصباً محورياً في سلسلة القيادة الأمنية في درعا، حيث يُشتبه في أنه أشرف على عمليات أو أصدر أوامر أدت إلى ارتكاب انتهاكات جسيمة بحق المدنيين
وفي مرافعته الافتتاحية، وصف المحامي العام بدمشق حسام خطاب حملة القمع التي نفذتها سلطات درعا بأنها شكّلت نقطة تحوّل أسهمت في إشعال البلاد بأسرها
التكييف القانوني للجرائم لا يزال هشّاً
يُعدّ التكييف القانوني للجرائم الذي اعتمدته المحكمة أحد أبرز الجوانب اللافتة في هذه الجلسة
فبحسب رئيس المحكمة، فخر الدين العريان، فإن الأفعال المنسوبة إلى المتهم تُشكّل، على وجه الخصوص، «جرائم حرب» و
«جرائم ضد الإنسانية»
ولتبرير هذا التكييف، استند إلى عدد من الصكوك الدولية، من بينها اتفاقيات جنيف، واتفاقية مناهضة التعذيب، واتفاقية حقوق الطفل. كما استند إلى الإعلان الدستوري الصادر في مارس/آذار 2025، الذي ينصّ على إدماج الاتفاقيات الدولية التي صادقت عليها سوريا في القانون السوري [وهي اتفاقية مناهضة التعذيب، والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، واتفاقية حقوق الطفل، دون أن تشمل اتفاقيات جنيف]. وأشار كذلك إلى المادة 49 من الإعلان الدستوري، التي تنصّ على أن
«جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية والإبادة الجماعية وجميع الجرائم التي ارتكبها النظام السابق لا تخضع لمبدأ عدم رجعية القوانين»
غير أنّ هذا التكييف القانوني للجرائم يثير تساؤلات قانونية جوهرية
تناول تقرير مراقبة حقوقية لمنظمة حَقي هذه الجلسة، حيث ترى منظمة حَقي السورية أن توصيف الأفعال على أنها «جرائم حرب» يثير إشكاليات في ضوء القانون الدولي الإنساني. فالأفعال المنسوبة إلى نجيب تعود إلى مطلع عام 2011، أي قبل تطوّر الأوضاع إلى نزاع مسلح غير دولي. غير أن التقرير يعتبر أن توصيفها بوصفها جرائم ضد الإنسانية
«قد يكون أكثر انسجاماً مع طبيعة الانتهاكات الممنهجة والواسعة التي استهدفت المدنيين خلال تلك المرحلة»
وتتمثل صعوبة أخرى في أن القانون السوري لا يتضمن نصوصاً تُجرّم صراحة جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية. ولذلك، وكما في محاكمة حلب، يستند القاضي إلى مواد من قانون العقوبات السوري الصادر عام 1949، ولا سيما المواد المتعلقة بالقتل العمد، والتعذيب، والحرمان غير المشروع من الحرية، والتحريض على العنف الطائفي
كما يسلّط تقرير مُنظمة حَقي الضوء على عدد من أوجه القصور الإجرائية المهمة، ويدعو إلى تعزيز ضمانات المحاكمة العادلة، وحماية استقلال القضاء، وتحديث التشريعات السورية.
ويقول المعتصم الكيلاني، الخبير في القانون الجنائي الدولي ومؤسس منظمة حَقي: «أي مسار جاد للمحاسبة في سوريا يجب أن يترافق مع إصلاح تشريعي شامل يتضمن إدخال الجرائم الدولية إلى قانون العقوبات السوري بصورة صريحة، والتصديق على الاتفاقيات الدولية الأساسية المتعلقة بهذه الجرائم
«محاكمة لاحتواء استياء الضحايا»
ولا يزال الإطار القانوني للعدالة الانتقالية في سوريا غير مكتمل إلى حدّ كبير
ويرى الباحث القانوني والخبير في العدالة الانتقالية حبيب نصّار أنه «من المؤسف أن تعطي جلسة بهذه الأهمية انطباعاً بأنها مُعدّة سلفاً، من دون أن يكون واضحاً كيف تندرج هذه المحاكمة ضمن استراتيجية أوسع للعدالة الانتقالية
ويضيف أنه «من المحتمل أن تكون السلطات السورية قد تسرعت في إتخاذ هذه الإجراءات، بهدف أساسي يتمثل في احتواء استياء الضحايا»
ويعلّق نصّار قائلاً:لتجنّب أي انطباع بوجود عدالة انتقائية، ينبغي إثبات وجود استراتيجية واضحة للملاحقات الجنائية تشمل جميع الانتهاكات التي غَلبت على المرحلة السابقة ويشار إلى أن عاطف نجيب ينتمي إلى الطائفة العلوية، وهي الأقلية التي ينتمي إليها الأسد أيضاً. حيث يضيف نصّار:«يُذكّر ذلك بحالات التسرّع التي شهدتها بعض أنظمة العدالة في مرحلة ما بعد النزاعات، كما حدث في العراق، حيث أسهمت التصورات المرتبطة بالعدالة الانتقائية، بصورة لا مفرّ منها، في تأجيج التوترات بين المكوّنات المجتمعية.»

قانون العدالة الانتقالية: مشروع معلّق
حتى اليوم، لم يُعتمد أي قانون سوري شامل للعدالة الانتقالية، كما أن مشروع القانون الذي أُعلن عنه لم يُنشر بعد. ويعتقد نصّار أنه من غير المرجح أن يرى هذا القانون النور قبل تشكيل البرلمان السوري المقبل، الذي لا تزال العديد من مقاعده شاغرة. ويشير الكيلاني إلى أن عدم إقرار هذا القانون قد يُستخدم «كذريعة لتقويض مسار العدالة الانتقالية».
بنفس الوقت، تحاول عدة منظمات سورية تطوير إطار قانوني يتناسب مع هذه المرحلة الانتقالية. ففي 12 مايو/أيار 2026، وقّعت 27 منظمة من المجتمع المدني وثيقة بعنوان «مسارات المساءلة الجنائية في سوريا». وجاءت هذه الوثيقة نتيجة ثمانية أشهر من المشاورات التي جمعت خبراء سوريين ودوليين، ومنظمات مجتمع مدني، وضحايا، وروابط ناجين، وممثلين عن الهيئات المعنية بالعدالة الانتقالية والمفقودين. وتقترح الوثيقة خارطة طريق لإنشاء آليات «ذات مصداقية وشاملة».
ويشير نصّار إلى أنه «قلّما شهدت دول في مرحلة انتقالية مجتمعاً مدنياً بمثل هذا المستوى من الخبرة والتطور كما هو الحال في سوريا، أو ثلاث آليات دولية مخصّصة للوضع فيها». ويرى أن على السلطات السورية والقضاء الاستفادة من دعم المجتمع المدني وضمان مشاركته الكاملة في أي مسار للعدالة، إلى جانب الاستفادة من آليات الأمم المتحدة مثل الآلية الدولية المحايدة والمستقلة للمساعدة في التحقيق والملاحقة القضائية للأشخاص المسؤولين عن الجرائم الأشد خطورة
نموذج عدالة انتقالية في طور التكوين
لكن في المقابل، تؤدي الضبابية القانونية إلى حالة من الارتباك بين السوريين، حيث يعتقد بعضهم أن لجنة العدالة الانتقالية قد تتولى إجراء محاكمات.
ويرى نصّار أنه ينبغي التخلي عن فكرة أن السلطات السورية تتبع نموذجاً منظماً للعدالة الانتقالية. ويقول: «إن دور اللجنة الوطنية للعدالة الانتقالية في الملاحقات الجنائية لا يزال غير محدد حتى اليوم، إذ لم تُعتمد بعد لا قانون داخلي ولا إجراءات ولا قانون للعدالة الانتقالية اللذي من المفترض ان يكون قيد الإعداد». ويضيف: «إن مسألة دورها المستقبلي وعلاقتها بنظام العدالة الجنائية لا تزال مفتوحة بالكامل. في الوقت الراهن نحن أمام إجراءات تُتخذ بشكل متفرق وصعب الإدماج ضمن إطار أو نموذج حقيقي للعدالة الانتقالية، لأن هذا الإطار غير موجود فعلياً حتى الآن
تم تمويل هذا المنشور من قبل الاتحاد الأوروبي ضمن مشروع «عدالة شاملة في سوريا: بناء القدرات وإيلاء الضحايا الأولوية ». وتُعدّ محتوياته من المسؤولية الحصرية لموقع جستس انفو ولا تعكس بالضرورة آراء الاتحاد الأوروبي (Justice Info) كما يحتفظ صحفيو جستس انفو باستقلالية تحريرية كاملة على كافة المحتوى




