كيف يمكن التعامل مع الجناة المزعومين الذين غيّروا ولاءهم؟

تُفتتح في 27 أبريل/نيسان، في ألمانيا، محاكمة فهد الحميد، السجّان السوري السابق. وكما هو الحال في عدد من المحاكمات الأخرى التي تستند إلى مبدأ الولاية القضائية العالمية، تطرح هذه القضية سؤالاً جوهرياً: هل ينبغي ملاحقة الأشخاص الذين انشقوا لاحقاً عن النظام وقدموا معلومات ضرورية للعدالة؟

كتابات على جدران زنزانة في الفرع 251 التابع لإدارة المخابرات العامة السورية، المعروف أيضاً باسم فرع الخطيب، في العاصمة دمشق، بتاريخ 25 ديسمبر/كانون الأول 2024.
كتابات على جدران زنزانة في الفرع 251 التابع لإدارة المخابرات العامة السورية، المعروف أيضاً باسم فرع الخطيب، في العاصمة دمشق، بتاريخ 25 ديسمبر/كانون الأول 2024. الصورة: © لؤي بشارة / وكالة فرانس برس

قبل خمسة عشر عاماً، جلس رجلان في الثلاثينيات من العمر معاً في مقصف الفرع 251 التابع لجهاز المخابرات في دمشق. كانا صديقين قديمين، يعرف أحدهما الآخر منذ أن كانا يعيشان في بلدة صغيرة في محافظة دير الزور، شرقي سوريا. وينحدر كلاهما من أسرتين فقيرتين تعملان في الزراعة، كما التحق كلاهما بجهاز أمن الدولة بعد المرحلة الإعدادية، بعدما تعذّر عليهما تحمّل تكاليف مواصلة تعليمهما. وظلّا على تواصل على مرّ السنوات، فيما تزوّج كل منهما، وأنجب أطفالاً، وشقّ طريقه المهني. وعلى مدى عشر سنوات، عمل كلاهما مدرّباً رياضياً للمجندين الجدد. وفي عام 2006، نُقلا إلى أحد أكثر فروع التحقيق سيئة السمعة في دمشق: الفرع 251، المعروف أيضاً باسم فرع الخطيب. وقالا لاحقاً إنهما لم يرغبا في تولّي هذه المهمة، لكنهما أُجبرا على قبولها.

بعد اندلاع الثورة عام 2011، أُلحق أحدهما بوحدة أشبه بفريق لمكافحة الشغب، كانت تداهم المظاهرات وتعتقل المحتجين. أما الآخر فكان حارساً في سجن فرع الخطيب. وقد تعرّض آلاف المعتقلين السياسيين للتعذيب هناك، وقُتل كثيرون منهم. وخلال تلك الفترة، ظل الصديقان على تواصل. وكانا يلتقيان من حين إلى آخر في مقصف الفرع، حيث يُرجّح أنهما كانا يتناولان كوباً من الشاي أو القهوة ويتجاذبان أطراف الحديث، محاولين تجاهل الصرخات الصادرة من الزنازين الواقعة تحت الأرض، والتي كان صداها يُسمع في أرجاء الساحة كلها، وفق ما شهد به أحدهما لاحقاً. وعندما سُئل عما إذا كانا قد تحدثا يوماً عن تلك الصرخات، أجاب: «لا، لم يكن ذلك أمراً غير اعتيادي».

لم يكن الرجلان يعلمان أنه، بعد سنوات، سيؤول بهما الحال أيضاً خلف القضبان، ولكن ليس في سوريا، بل على بُعد آلاف الكيلومترات في غرب ألمانيا. واتُّهم كلاهما بارتكاب جرائم ضد الإنسانية أو المساعدة على ارتكابها خلال فترة عملهما في خدمة نظام الأسد. يُدعى أحدهما إياد الغريب. وفي عام 2021، أدانته المحكمة الإقليمية العليا في كوبلنز بالسجن أربع سنوات ونصف السنة بتهمة المساعدة والتحريض على ارتكاب جرائم ضد الإنسانية تمثلت في التعذيب والحرمان الجسيم من الحرية. وكان قد اعتقل متظاهرين ونقلهم إلى الفرع 251، وهو يعلم أنهم سيتعرّضون للتعذيب هناك. وأُفرج عنه عام 2025 بعد أن أمضى مدة محكوميته.

أما الآخر فهو حارس السجن السابق فهد الحميد، الذي بدأت محاكمته يوم الاثنين 27 أبريل/نيسان 2026 أمام المحكمة نفسها. وقد يواجه حكماً أشد بكثير، بعدما وجّهت إليه النيابة العامة اتهامات في سبعين واقعة قتل، إضافة إلى جرائم ضد الإنسانية شملت القتل والتعذيب والاحتجاز غير القانوني. وتستند كلتا المحاكمتين إلى مبدأ الولاية القضائية العالمية، الذي يتيح للدول ملاحقة أخطر الجرائم المنصوص عليها في القانون الدولي، حتى في غياب أي صلة مباشرة بالدولة التي تنظر في القضية.

قصة مُنشق

تُعدّ ألمانيا الدولة الأكثر نشاطاً في ملاحقة الجرائم التي ارتكبها نظام الأسد السابق، ولا تمثل محاكمة فهد الحميد سوى أحدث حلقة في سلسلة طويلة من هذه المحاكمات. غير أن قضيته تطرح أسئلة برزت في العديد من القضايا المماثلة خلال السنوات الماضية: كيف ينبغي التعامل مع المنشقين الذين عملوا في خدمة نظام قمعي، ثم غيّروا موقفهم وانحازوا إلى صفوف المعارضة؟

انشقّ الحميد عام 2012 وفرّ مع عائلته إلى تركيا. وكان الضباط الذين انشقوا خلال السنوات الأولى من الثورة يفعلون ذلك، في الغالب، بدافع معارضتهم للنظام ورفضهم المشاركة في عمليات التعذيب الجماعي وقتل المدنيين. وعند انشقاقه، هرّب الحميد وثائق داخلية انتهى بها المطاف لاحقاً في حوزة الشرطة الألمانية، ثم استُخدمت كأدلة أمام المحكمة في كوبلنز.

كما خرج حارس السجن السابق إلى العلن في مقابلة أجرتها معه قناة الجزيرة عام 2016، تحدّث فيها عما وصفه بـ«جرائم النظام». واستعرض خلالها أساليب التعذيب، وكشف أن جثامين المعتقلين الذين قضوا في الفرع 251 كانت تُنقل أولاً إلى مستشفى حرستا العسكري، قبل أن تُدفن في مقابر جماعية. كما أوضح أن أطباء الطب الشرعي كانوا يزوّرون شهادات الوفاة، فيسجلون النوبات القلبية سبباً للوفاة، ويذكرون أنهم حاولوا إنعاش المريض، لكن محاولاتهم باءت بالفشل. ومنذ ذلك الحين، ظهرت نماذج من هذا النوع من شهادات الوفاة في العديد من التسريبات والتحقيقات. وفي المقابل، بات من المؤكد أن آلاف المعتقلين لقوا حتفهم في الواقع نتيجة التعذيب أو التجويع أو الأمراض الناجمة عن ظروف الاحتجاز اللاإنسانية.

وخلال المقابلة، سأل صحفي الجزيرة الحميد مباشرة عمّا إذا كان قد شارك في تعذيب المعتقلين. فأجاب بأنه، بوصفه سنياً، لم يكن يحظى بثقة كاملة، وأن مهمة تعذيب السجناء وقتلهم كانت تُسند فقط إلى ضباط متخصصين. ورغم صحة أن ضباطاً علويين كان يُنظر إليهم في كثير من الأحيان على أنهم أكثر ولاءً للنظام، فإن مشاركة ضباط سنّة في إساءة معاملة المعتقلين موثقة على نطاق واسع. وعندما سُئل عن سبب عدم محاولته وقف تلك الانتهاكات، أجاب: «لو نطقت بكلمة واحدة، لكنت انتهيت في السجن أنت أيضاً». وأضاف أنه سُجن بالفعل لمدة شهرين، عقاباً له على تعاطفه مع المعتقلين.

«عندما تنشق، فإنك تعرّض نفسك للخطر»

أقام الحميد مع زوجته وأطفاله الستة في تركيا حتى عام 2023. إلا أنه كان معروفاً لدى السلطات الألمانية منذ سنوات. ففي ما عُرف بمحاكمة «فرع الخطيب»، التي حوكم فيها صديقه إياد الغريب ورئيسهما المباشر أنور رسلان، ورد اسمه مراراً. وكان الغريب قد أخبر الشرطة عن اللقاءات التي كانت تجمعهما في مقصف الفرع، ووفقاً لشهادة أحد ضباط الشرطة أمام المحكمة تلقت السلطات الألمانية معلومات عن الحميد من الآلية الدولية المحايدة والمستقلة (IIIM)، وهي هيئة أنشأتها الأمم المتحدة عام 2016 لجمع وتحليل الأدلة المتعلقة بالجرائم المرتكبة في سوريا منذ عام 2011.

إلى جانب ذلك، أدلى الشاهد والمدعي المشترك حسن محمود بشهادته خلال محاكمة فرع الخطيب في أكتوبر/تشرين الأول 2020، قائلاً إنه تواصل مع الحميد عام 2016 بعدما شاهد مقابلته على قناة الجزيرة. وقال: «ذكر في التلفزيون أنه يملك أسماء الأشخاص الذين توفوا في الفرع 251. فتواصلت معه وطلبت منه أن يبحث عن أخي». وكان شقيق محمود، حيان، مفقوداً منذ عام 2012، وهو واحد من آلاف الأشخاص الذين اختفوا داخل سجون النظام ولم يعودوا قط. وكان الحميد قد اصطحب معه وثائق عند انشقاقه، وبناءً على طلب محمود، راجع قائمة بأسماء المعتقلين المتوفين وتمكن من تأكيد وفاة شقيقه. وقد عُرضت هذه القائمة لاحقاً كدليل أمام محكمة كوبلنز.

وبحسب الشاهد، قال له الحميد خلال حديثهما إن «كل ما فعله الشخص قبل انشقاقه ينبغي أن يُنسى بعد انشقاقه». وبعد سنوات قليلة، عبّر عن فكرة مشابهة لمؤلفة هذا المقال، التي أجرَت معه مقابلة عقب إدانة صديقه إياد الغريب مطلع عام 2021. وقال حينها إن «هذا الحكم يجرّم كل من ينشق ويدلي بشهادته ضد النظام».

كما شارك الحميد في بودكاست أُنتج بالتزامن مع محاكمة فرع الخطيب، وقال فيه: «هذه قضية ظلم بحق إياد الغريب. لقد كان من أوائل المنشقين، وساعد الناس. لم يقبل أن يكون جزءاً من آلة القتل، ودفع الثمن. ولو أُلقي القبض عليه أثناء انشقاقه أو قبل وصوله إلى مكان آمن، لكان قد أُعدم. عندما تنشق، فإنك تعرّض نفسك، وحياتك، وأطفالك، وعائلتك للخطر».

أبطال أم جناة أدانوا أنفسهم؟

تبدو الكلمات التي قالها آنذاك دفاعاً عن صديقه أكثر شخصية اليوم، بعدما أصبح هو نفسه في قفص الاتهام. وخلال الأيام الأولى من محاكمته، التزم الصمت. إلا أن مجمل التصريحات التي أدلى بها على مدى السنوات الماضية تشير إلى أنه كان يعتبر نفسه، وسائر المنشقين، في الجانب الصحيح من التاريخ.

وبالفعل، احتُفي بالمنشقين بوصفهم أبطالاً خلال السنوات الأولى من الثورة السورية. فقد كان لانشقاقهم أهمية كبيرة في إضعاف قبضة النظام، وفي نقل معلومات من داخل أجهزته إلى الخارج، مثل الوثائق، وأسماء المعتقلين، والتفاصيل المتعلقة بجرائم النظام. وقد لعبت شهادات المنشقين والوثائق التي سرّبوها دوراً في جميع المحاكمات القائمة على مبدأ الولاية القضائية العالمية. إلا أن عدداً منهم أدانوا أنفسهم أيضاً من خلال المعلومات التي قدموها، كما حدث في قضيتي الغريب ورسلان.

وتكرر الأمر نفسه عام 2023 في محاكمة استندت إلى مبدأ الولاية القضائية العالمية وتناولت جرائم النظام السابق في غامبيا، وكان أحد المتهمين فيها عنصراً في ميليشيا تحوّل لاحقاً إلى مُبلّغ عن المخالفات. وقد أثارت هذه المحاكمات تساؤلاً مفاده ما إذا كان أفراد الجيش وأجهزة الاستخبارات سيترددون في الانشقاق والإدلاء بمعلومات مهمة للعدالة، إذا كانوا يواجهون خطر الملاحقة القضائية. وفي المقابل، يرى كثير من السوريين أن الجرائم المرتكبة في الماضي لا يمكن التغاضي عنها لمجرد أن مرتكبها غيّر موقفه لاحقاً.

ويبقى من غير الواضح لماذا قرر الحميد الانتقال مع عائلته إلى ألمانيا عام 2023، حيث التحق بابنه الأكبر في إطار لمّ شمل الأسرة. فقد كان على علم بما جرى لصديقه إياد الغريب، وكان يدرك أيضاً أنه يحمل ماضياً مشابهاً سبق أن تحدث عنه علناً في أكثر من مناسبة. ورغم أنه نفى، في مقابلاته العلنية، مشاركته في التعذيب، فلا بد أنه كشف عن طبيعة دوره في مرحلة ما، وعلى الأرجح بعد عام 2023، إذ من المستبعد أن تكون السلطات الألمانية قد وافقت على طلب لمّ شمل أسرته لو كانت قد فتحت تحقيقاً بحقه آنذاك. ومن المقرر أن تُعقد جلسات محاكمته أسبوعياً حتى شهر يوليو/تموز.

أُنجز هذا المنشور بتمويل من الاتحاد الأوروبي في إطار مشروع «عدالة شاملة في سوريا: بناء القدرات وإيلاء الضحايا الأولوية ». وتتحمل جستيس انفو(Justice Info) وحدها المسؤولية عن محتواه، ولا يعكس بالضرورة وجهات نظر الاتحاد الأوروبي. ويحتفظ صحفيو جستيس انفو باستقلاليتهم التحريرية الكاملة في جميع المواد المنشورة.


تم تمويل هذا المنشور من قبل الاتحاد الأوروبي ضمن مشروع «عدالة شاملة في سوريا: بناء القدرات وإيلاء الضحايا الأولوية ». وتُعدّ محتوياته من المسؤولية الحصرية لموقع جستس انفو (Justice Info) ولا تعكس بالضرورة آراء الاتحاد الأوروبي كما يحتفظ صحفيو جستس انفو باستقلالية تحريرية كاملة على كافة المحتوى.

إعادة النشر