موازين العدالة المُرّة في سوريا

عقب صدور أول أحكام إدانة بحق شخصيات رفيعة المستوى من نظام الأسد في آب/أغسطس، تقول الناشطة في مجال حقوق الإنسان سناء كيخيا إن على المجتمع المدني أن يتجاوز فخّ «كل شيء أو لا شيء»، وأن يتعامل بصورة استراتيجية مع معادلة السرعة والدقة والمشروعية.

جلسة أمام المحكمة الجنائية الرابعة في دمشق في يوليو/تموز 2026، خلال محاكمة وسيم الأسد. وفي أغسطس/آب، أصدرت المحكمة عدة أحكام في قضايا تتعلق بجرائم جسيمة ارتُكبت في ظل نظام عائلة الأسد.
جلسة أمام المحكمة الجنائية الرابعة في دمشق في يوليو/تموز 2026، خلال محاكمة وسيم الأسد. وفي أغسطس/آب، أصدرت المحكمة عدة أحكام في قضايا تتعلق بجرائم جسيمة ارتُكبت في ظل نظام عائلة الأسد. الصورة: © وزارة العدل السورية

بعد السقوط التاريخي لنظام الأسد في ديسمبر/كانون الأول 2024، كانت الأصوات السورية المطالبة بالعدالة الانتقالية عالية وواضحة للغاية. لكن بالنسبة إلى منظمات المجتمع المدني، والمجموعات التي يقودها الضحايا، والخبراء القانونيين الدوليين، كانت الرسالة الأساسية الموجهة إلى الحكومة السورية واضحة: العدالة الانتقالية ليست صيغة تقنية أو قائمةً مرجعية بالمهام الواجب إنجازها، بل هي عملية سياسية وثقافية ينبغي ترسيخها ودعمها مع مرور الوقت. وإذا أُريد للعدالة في سوريا أن تكون حقيقية ومستدامة، فيجب أن تعطي الأولوية للكرامة والمشاركة والشفافية، بدلًا من السرعة والنتائج السطحية.

وعلى الرغم من التحذيرات، سرعان ما فرضت السرعة والظروف السياسية والأمنية والضغط الشعبي واقعًا معينًا على الأرض. وإذا نظرنا إلى تسلسل الموجات الرئيسية للعنف التي وقعت بعد سقوط نظام الأسد، وإلى الخطوات الرئيسية المرتبطة بالعدالة الانتقالية، فيمكننا استخلاص بعض الاستنتاجات مع اقترابنا من مرور عامين على استلام النظام الجديد الحكم.

الضغط من أجل عدالة سريعة

عقب اندلاع موجات العنف والمجازر في المناطق الساحلية في سوريا والسويداء في مارس/آذار ويوليو/تموز 2025 على التوالي، بدأ يتعزز في أوساط المجتمع المدني والرأي العام خطابٌ مفاده أن التأخر في المساءلة كان يغذي حالة عدم الاستقرار المستمرة. وفي مواجهة الغضب الشعبي المتزايد والمطالبات بالقصاص الفوري، أعلنت السلطات في أبريل/نيسان 2025 إنشاء الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية (NCTJ) والهيئة الوطنية للمفقودين والمختفين قسراً (NCM)، وعيّنت أعضاء الهيئتين في أغسطس/آب 2025، وشكّلت محكمة الجنايات الرابعة، المختصة بقضايا العدالة الانتقالية، في أغسطس/آب 2026.

ومنذ أبريل/نيسان 2026، شكّل إطلاق محاكمات جنائية بارزة في سوريا ما بعد النزاع، ولا سيما تلك التي طالت شخصيات بارزة من النظام، مثل عاطف نجيب ووسيم الأسد وأحمد حسون، محطة تاريخية مفصلية. غير أن هذه الإجراءات تبرز معضلة سياسية وقانونية عميقة تتمثل في التوتر بين الضرورة السياسية لتحقيق العدالة بسرعة، والضرورة القانونية لضمان إجراءات قضائية صارمة ومؤسسية تلتزم بالأصول القانونية الواجبة.

فخ «كل شيء أو لا شيء»

مع تعامل منظمات المجتمع المدني مع هذا المشهد، تبرز الحجة الأساسية المتمثلة في أن الشعب السوري يستحق نظامًا قضائيًا يستوفي معايير عالية بعد عقود من جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية التي ارتكبها نظام الأسد. غير أنه من السهل الوقوع في فخ «كل شيء أو لا شيء». فمن جهة، قد يؤدي التعجيل بالمحاكمات من دون أسس قانونية واضحة إلى إنتاج عدالة المنتصر، وإلى ثغرات إجرائية؛ ومن جهة أخرى، فإن الإصرار على استيفاء معايير قضائية مثالية وحديثة بالكامل قبل بدء الملاحقات القضائية قد يؤدي إلى تعطيل العدالة برمتها، وتنفير الضحايا، وتفاقم المخاطر الأمنية.

ينتقد الناشطون، بحق، بطء القضاء، لكنهم في الوقت نفسه يطالبون بمعايير دولية صارمة وعالية المستوى، ويرفضون اللجوء إلى القوانين والمؤسسات المحلية القائمة، رغم أنها مجهزة جزئيًا فقط. غير أن الواقع على الأرض يتحدث بلغة مختلفة: فبناء مؤسسات قضائية راسخة، تتمتع بخبرة قانونية كاملة واستقلالية هيكلية، يتطلب وقتًا وموارد هائلة، ومن غير المعقول توقّع وجود جهاز قضائي مثالي بين عشية وضحاها.

إضافة إلى ذلك، فإن أخذ أوجه القصور في المحاكمات في الاعتبار من دون مراعاة التركة الثقيلة للنظام القضائي في عهد الأسد ينطوي على خطر تجاهل السياق السوري، وهو أمر ينبغي أن نكون على وعي به جيدًا بصفتنا منظمات المجتمع المدني السورية. فقد كان كبار القضاة في حكومة الأسد فاسدين، وشاركوا في جرائم الحرب، وحكموا على آلاف الأشخاص بالإعدام من دون محاكمات. والتعامل مع هذا الإرث يتطلب قضاة جددًا يتمتعون بأخلاقيات مهنية، ومدرَّبين تدريبًا جيدًا، ويتقاضون أجورًا مناسبة، ويتمتعون بالحماية من أي ضغوط سياسية.

ولاية قضائية خاصة جديدة من دون تشريع

تتولى محكمة الجنايات الرابعة المنشأة حديثًا في دمشق مسؤولية محاكمات العدالة الانتقالية، وتعمل بموجب تكليف إداري، وليس استنادًا إلى نص تشريعي واضح ينظم ولايتها. وعلى الرغم من تخصيص قاعة محكمة في قصر العدل وإسناد رئاسة المحكمة إلى القاضي فخر الدين العريان، لا يوجد هناك أي تشريع صريح ينشئ الولاية القضائية الخاصة للمحكمة. وإن إنشاء محاكم جنائية متخصصة بموجب قرار إداري بدلًا من تشريع صادر عن البرلمان يخلق نقاط ضعف جوهرية فيما يتعلق بمبدأ الشرعية. إلا أن العودة إلى الواقع السوري تظهر أن سوريا لم يكن لديها برلمان عامل إلا مؤخرًا، إذ جرى افتتاحه رسميًا في 6 يوليو/تموز 2026، وانتظار إقرار البرلمان للتشريع يعني الانتظار حتى عام 2027 على الأقل للحصول على الإطار القانوني اللازم لبدء أي محاكمات.

ووفقًا لتصريحات رَديف المصطفى، رئيس قسم المساءلة في الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية، تستند هيئة المحكمة الجنائية الرابعة إلى كل من القانون السوري الداخلي والمبادئ القانونية الدولية. فعلى سبيل المثال، تضمنت الأحكام الصادرة في أغسطس/آب بحق عاطف نجيب ووسيم الأسد وأحمد حسون القتل العمد لعدد من الأشخاص، والقتل العمد المقترن بأعمال التعذيب والوحشية بحق أشخاص بوصفها جرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب، وجناية الاعتداء بقصد إشعال حرب أهلية وإثارة الفتنة الطائفية، وجناية الحرمان من الحرية، والتعذيب بوصفه من الجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب.

ومن الجديربالذكر أن قانون العقوبات السوري الداخلي لم يتضمن أحكامًا تشريعية محددة ومستقلة تُصنَّف على أنها «جرائم حرب» أو «جرائم ضد الإنسانية». ومع ذلك، استُخدمت هذه التوصيفات لمعالجة الفظائع السابقة التي ارتكبها نظام الأسد. وقد أتاح هذا النهج الهجين للمحكمة توجيه اتهامات إلى المدعى عليهم بارتكاب الجرائم الدولية الأساسية، إلى جانب الجرائم المنصوص عليها في القانون الداخلي. غير أن تطبيق المعايير الجنائية الدولية من دون إدماجها صراحةً في قانون العقوبات الداخلي يترك الأحكام عرضة للطعن على أساس الملاحقة بأثر رجعي والغموض القانوني.

ومن المهم هنا إجراء اختبار للواقع: كم من الوقت ستحتاج سوريا لإدماج المعايير الجنائية الدولية في قوانينها الداخلية؟ وهل يستطيع السوريون الانتظار، ولا سيما عندما يكون شخصيات بارزة مثل حسون والأسد ونجيب قد أُلقي القبض عليها؟ وإلى جانب هذه المعضلة، أشار خبراء قانونيون دوليون ومحامو دفاع سوريون إلى عيوب إجرائية كبيرة. وتراقب المحاكمات عشرات المنظمات الدولية والمحلية؛ إذ يحضر بعضها، مثل هيومن رايتس ووتش (HRW)، بعض جلسات المحاكمات، بينما تتابع منظمات أخرى سير الإجراءات عن كثب، بما فيها مكتب مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان (OHCHR) والمركز السوري للعدالة والمساءلة. ويخشى الخبراء من أن الاعتماد على التعجيل التنفيذي بدلًا من الإصلاح القانوني البنيوي قد يعرّض المصداقية طويلة الأمد للأحكام للخطر.

وتجسّد القضايا المنظورة أمام المحكمة الجنائية الرابعة المعضلة الجوهرية للعدالة الجنائية. فالتعجيل بالمحاكمات بموجب قرارات إدارية ملتبسة يلبّي الحاجة السياسية الملحّة إلى الردع والمطالب الشعبية، لكنه يعرّض العملية القضائية لعيوب إجرائية ولإمكانية الطعن في الأحكام.

الانتقال من «المطالب السطحية» إلى «المناصرة الاستراتيجية»

للخروج من هذه المفارقة، يجب على المجتمع المدني أن يبتعد عن مواقف «كل شيء أو لا شيء». ويتطلب المسار إلى الأمام تحديد أولويات استراتيجية. وليس المقصود التفاوض على حق الضحايا الكامل في العدالة، وإنما أن نكون واضحين بشأن أولوياتنا، وما لن نساوم عليه أبدًا، وما لا يمكننا المضي قدمًا من دونه. ولذلك، نحتاج إلى الانتقال من «المطالب السطحية» إلى «المناصرة الاستراتيجية»، استنادًا إلى علم إدارة ما يمكن تحقيقه في هذا التوقيت الحرج.

يبدأ هذا المسار ببناء المؤسسات، وهو أمر تقوم به بالفعل بعض منظمات المجتمع المدني السورية؛ فالمطالبة بالعدالة في مؤسسات معطّلة هي هدر للوقت والاستراتيجية. وينبغي أن نركز على إصلاح المؤسسات وتعزيزها، لا على هدمها، كما يفعل البعض ممن يستهدفون الهيئات الوطنية، بما يضر بمصداقيتها وسمعتها أو بآمالها، ويتجاهل ما تحقق من مكاسب. وبعد ذلك، ينبغي أن نعتمد على «مطالب تراكمية ومتدرجة خطوةً بخطوة»، من خلال استراتيجية لرفع سقف المطالب تدريجيًا؛ فنبدأ بمطالب عاجلة وقابلة للتنفيذ، ثم نبني مطالب أكبر على كل نجاح يتحقق، لتجنب اتساع الفجوة بين طموحاتنا والقيود القائمة على أرض الواقع.

وتؤدي الهيئات الدولية المعنية بحقوق الإنسان، بدءًا من الوكالات الحكومية الدولية مثل مكتب مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان (OHCHR)، وصولًا إلى المنظمات غير الحكومية مثل هيومن رايتس ووتش (HRW)، دورًا بالغ الأهمية بوصفها جهات تراقب المحاكمات في سياقات العدالة الانتقالية. غير أن إجراء اختبار للواقع يجب أن يكون دائمًا من مسؤولية المنظمات السورية والخبراء السوريين، الذين ينبغي ألا يبسّطوا تعقيدات الوضع، وأن يمتنعوا عن تكرار المعايير المثالية، إذ إن هذا ليس دورهم النهائي. وعليهم أن يأخذوا في الاعتبار الموارد المتاحة، والتحسينات الاستراتيجية الممكنة على المدى القصير والمتوسط والطويل. كما ينبغي لهم، قبل كل شيء، أن يراقبوا عن كثب مطالب الضحايا والناجين السوريين، لضمان قيامهم بمسؤوليتهم الأساسية في إدارة التوقعات، مع السعي في الوقت نفسه إلى أفضل مستقبل ممكن وإدخال تحسينات على النظام القضائي.

ويمكن النظر إلى العدالة الجنائية، والعدالة الانتقالية بصورة أوسع، على أنها جدارية أو أحجية قد لا تكون كل تفاصيلها واضحة تمامًا في الوقت الراهن، لكنها تضم القطع الأساسية التي ستمنحها قوتها بوصفها لوحة متماسكة تؤدي غايتها الأساسية المتمثلة في منع العنف وضمان الاستقرار. لا ينبغي أن نطارد «شبحًا» للعدالة أو بيتًا جميلًا من الأحلام لا يمكن العيش فيه. يمكننا أن نحاول بناء «بيت» حقيقي؛ وقد لا نتمكن من إكمال السقف اليوم، لكننا نضع أسسًا متينة لضمان ألا تُدمَّر حياتنا مرة أخرى.

Sana Kikhiaسناء كيخيا

سناء كيخيا ناشطة سورية ومدافعة عن حقوق الإنسان، وتشغل منصب المديرة التنفيذية لـلبرنامج السوري للتطوير القانوني (SLDP). وهو منظمة سورية تُعنى بحقوق الإنسان والقانون الدولي، تأسست عام 2013، وتعمل على تعزيز القدرة على تحقيق العدالة في مجال حقوق الإنسان في سوريا. ومنذ سقوط نظام الأسد، يتعاون البرنامج السوري للتطوير القانوني مع الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية، ولا سيما في ما يتعلق بعملية صياغة قانون العدالة الانتقالية.

إعادة النشر